الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

السلطة المطلقة إهانة مطلقة

تعلمنا في أدبيات السياسة أن السلطة المطلقة إهانة مطلقة، أما السلطة التي لا تتبنى مستقبل شعبها، فهي سلطة لخارطة وطن على جدار أو طاولة قابلة للتمزق والتلف.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/06/02، العدد: 9936، ص(9)]

مازلت أشعر أنني واحد من عابري سبيل هذا العالم، لا يمكن أن نستقر، سماتنا القلق، ننغلق على قبضة تمسك بالجمر، مُتَحَدينَ جموع الحيوانات المفترسة من شخصيات أو أفكار أو أحقاد، تُفاجِئُنا بتمردها على غابتها لتهاجمنا دون تحسب أو استعداد.

ربما ما لم نكتبه سابقاً في ظرف الصراعات أو حتى في لهيب الحروب الدامية، كان له مبرر، كان هناك شيء لم نخسره بعد. اليوم نحن العابرون فوق المصالح أو الانقسامات أو الخسائر الصغرى أو الكبرى، يحق لنا أن نعيد لأذهاننا رسائل وبرقيات غير مرسلة وغير مبرقة لمحطات توقفنا فيها وتأثرنا بها ومزقتنا أيضاً، لكننا لم نُختَزل هكذا إلى مجرد، إهانات.

الديكتاتوريات والديكتاتوريون، لم يكونوا في بداية نشوء الإمبراطوريات وبناء الجيوش، ضمن الانتقاد أو معايير مثالب نقص في الحكم أو القيادة، إنما حدث ذلك في فترات قريبة أملتْها مستجدات التطور في الفلسفة والفكر السياسي وما نتج من قفزات صغيرة ثم كبيرة ثم هائلة، أبدلت مفاهيم الحياة والعلم والسلوك والعمل والإنتاج.

لست مع الحكام العرب قديما أو حديثا، ولا مع نوع الحكم، ولا أميل إلا لما يميل اليه الكاتب من أحلام مزروعة في أفق الأمنيات، كلما اقترب منها وسعى إليها، وجدها تبتعد، دون أن يتنبه لبذور كلماته أو حقوله من خلفه، لأنها ببساطة، والحديث لنا للعرب حصراً، عرضة للحرقِ والسلب والنهب وفتك الحشرات من أوهام وجهل وأمراض نفسية شخصية، أو توتر مجموعة، أما لخوفها أو عدم حماستها أو قلة أنزيمات أو مورثات التسامح والحب والاحترام لحياة الكائن البشري الآخر المختلف لأسباب اختلاف ماركة المنشأ من بيئة أو حاضنة فكرية أو دينية أو عادات وطقوس، وتلك برمتها، أقدار وجود أو صدفة لقاء أو نسل عائلة أو مجتمع ما، على مصادر وروافد أقداره. التجربة دامية ومقززة للحكم في العراق بعد احتلاله وبنوعية القادة والحكام والشخصيات السياسية بتنوع أحزابهم الدينية والمذهبية، وصولاً إلى العلمانيين والليبراليين وكل المنتمين للتيارات القومية والجماعات.

ألا يحق لنا، نحن عابري سبيل مآسي الحروب، أن نتوجه بجوهر حيرتنا إلى شخصية حاكمة بحجم قوة وكاريزما صدام حسين، ومن خلفه حزب بمكانة البعث بتاريخه وتأثيره ومدة حكمه وقياداته وحضوره واقتصاده وقاعدته العلمية وتطلعاته في التنمية على أرض بعمق تاريخ بغداد والعراق بمنابع أرضه وخيراته.

بعد 12 عاما من حكم معارضي البعث وصدام، ممكن جدا أن نصف، دون أن نتجاوز الإنصاف، الشخصيات المتنفذة مهما اختلفت حظوظها في المناصب، بالشخصيات المضطربة والضعيفة والمهزوزة، أثبتت ذلك الرغبة في الاستحواذ على المال والنفوذ ونهم الجوع إلى السلطة ودفع المصالح الخاصة بعوائلهم وأحزابهم إلى مقدمة السباق.

أوحيَ لنا منذ البداية إن السباق في النهاية سيشهد إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مغانم حكم العراق، وترك المساحة للصراعات والإرادات والأهداف المنسجمة مع ثقافتهم ونزوعهم إلى تقسيم العراق وإضعافه وإذكاء الفتن وتشجيع ردود الفعل لدى الطرف الآخر من المعادلة المذهبية للبحث عن مبررات التفتيت وتكوين الأرض القابلة لمرور كل الطموحات الفارسية المتلاحقة. التصريحات الأخيرة والتدخلات المهينة تتجاوز أبسط مفاهيم السيادة واستقلال القرار الوطني.

كثير من النواب أصبحوا نواباً للنازحين من المدن المنكوبة، وكثير من النواب يتقاسمون الإهانات الشخصية لهم ولأحزابهم وكتلهم، المشهد السياسي عموماً يستحق الرثاء، له صفات المهووسين، وبعدت بينهم وبين أي نوع من أنظمة الحكم في العالم، المسافة، ولم يعد بالإمكان طمس معالم أبشع جريمة تعرض لها شعب عبر العصور.

جوهر حيرتنا، يتلخص في سؤال نتركه لحكمة الأجيال: لماذا لم يستطع نظام بقوة صدام حسين، احتواء الشخصيات المعارضة تحت جناح حكم ديمقراطي إصلاحي يتبنى كل الفعاليات الديمقراطية، دون أن ترفّ له جفن من أي شخصية أو حزب أو تنظيم؟

هذا الطرح ألم يكن واقعياً في توقيتات متعددة وفرص ومفاصل زمنية كان يمكن استثمارها ولملمة تبعاتها ولجم صلال الأفاعي التي فقست في حاضنة المخابرات العالمية، أو في بلاد فارس المعروفة شهيتها لابتلاع العراق والانطلاق منه إلى تصدير منتجاتها الفاسدة.

هذا المثال، مع فوارق الواقع العراقي ونوع المشاكل وطبيعة المعارضة، يتقارب مع الحالة السورية، وتكون صياغة جوهر تفاقم الكارثة بطرح السؤال كالآتي: لماذا لم يسعَ النظام السوري وفي سنوات قوته إلى احتواء كل المعارضين وتفهم رغبتهم في المشاركة في نظام الحكم وإصلاحه؟ وهم جميعاً لا يشكلون أي خطورة تذكر لا لشخص الرئيس ولا لسطوة النظام القائم.

ولو سحبنا هذا التطبيق لأماكن أخرى لن يكون مثالا غريبا من صنع خيالِ كاتب.

تعلمنا في أدبيات السياسة أن السلطة المطلقة إهانة مطلقة، أما السلطة التي لا تتبنى مستقبل شعبها وعلاقته بها وبحياته، فهي سلطة لخارطة وطن على جدار أو طاولة قابلة للتمزق والتلف، عند مرور ولو ذبابة على وجه الحاكم.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر