الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

فخامة 'الفراغ'

الأصل الديمقراطي كامن في بقاء المؤسسة وتغيير الوجوه، كما أن الأصل الاستبدادي متمثل في بقاء الشخص وتكلس المؤسسة، في حين أن الأصل التفكيكي للدول متجسد في تفتيت المؤسسات.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/06/02، العدد: 9936، ص(9)]

تطبيع عفوي وإدراكي في آن واحد مع “الدولة الفاشلة” هو المسار الذي يسلكه العقل العربي حاليا في سياق “ربيع عربي” عجز عن تكريس الدولة وإنجاح الثورة.

ولئن استعصت الطبيعة عن قبول “الفراغ”، فإنّ المشهد السياسي العربي بات قابلا للفراغ المؤسساتي ومروجا له، بل إنّه يقدّم ويفضّل في الكثير من الأحيان حالة الفراغ، التي تعني قصور الدولة عن الاستمرارية في ظلّ عجز الفاعلين الرسميين والاجتماعيين عن تأمين الديمومة صلب مؤسسات السلطة المركزية، عن حالة التواصل المؤسساتي، هذا إن سلمنا بوجود مؤسسات في الأقطار العربية.

ولأنّ الدولة الهجينة لا تتنزّل في الوجدان والميدان إلا عقب تطويع العقل العربي مع حالة الغياب والفراغ المؤسساتي، فإنّ أقطارا عربية عديدة أصبحت تعيش بأنصاف مؤسسات وأرباع سلطات في ظلّ مأسسة للفعل الميليشوي، وفي سياق تغول لسلطة الجماعات التكفيرية والمافيات الإجراميّة.

أليس من الغريب أن يعيش لبنان لأكثر من سنتين بلا رئيس، فيما تسيطر الجماعات المسلحة على أكثر من نصف الدولة اللبنانية في الجنوب أو الشمال. وأليس من الغريب أن تبقى ليبيا دون رئيس تناط بعهدته الصلاحيات التنفيذية الحقيقية، فيما تتقاسم ميليشيات فجر ليبيا ومجموعات داعش السيطرة والغنائم على نحو ثلاثة أرباع التراب الليبي. أليس من الملاحظ أن يبذل الحوثيون كلّ جهدهم لإسقاط الرئيس عبدربه منصور، على أخطائه السياسية الكثيرة، وإخراجه من اليمن بعد استيلائهم على جلّ المحافظات اليمنية إلا المحافظات التي يوجد بها تنظيم القاعدة، وأن يفضّل أتباع الحوثي الفراغ الرئاسي على عودة عبدربه منصور بل يخيّرون التحالف مع الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح المسوّق لنفسه ضمن ثنائيّة “أنا وبعدي الطوفان”، عوضا عن الإبقاء على المنجز الثوري الدستوري الوحيد في اليمن، والمتمثل في انتخاب الرئيس عبدربه منصور.

أليس من المفارقة أن تختار الأقلية الحاكمة في الجزائر نصف الفراغ الرئاسي في السلطة التنفيذية للاعب إقليمي كبير في المغرب العربي، فيما تقضم الجماعات التكفيرية من جغرافيا شمال أفريقيا الكثير والكثير. أليس من الغريب، سياسيا وأخلاقيا ووطنيا، أن يفضّل رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الفراغ الحكومي ككلّ على أن يضحي بكرسي رئاسة الحكومة، في وقت كانت فيه الجماعات التكفيرية، ولا تزال، على مرمى حجر من عاصمة الرشيد.

صار الفراغ الرئاسي جزءا من الحالة السياسية العربية، وسقطت بذلك الوظيفة المؤسساتية والدستورية التي كانت منوطة بشخص الرئيس وتهاوت الدولة رمزيا في ذهن المواطن الذي لم يعد يطلب من الدولة الإيفاء بالعقد الاجتماعي والدستوري المبرم معها، بل صارت محددات القبيلة والعشيرة والهويّة والديانة أقرب إليه من مؤسسات سلطة عاجزة عن تأمين الديمومة لنفسها، فأنى لها أن تؤمّن الكرامة والحرية للشعب.

في أقل من عقد مرّ العالم العربي من سياق “دولة الرئيس” إلى نموذج “الدول بلا رؤساء”، ومن المقرّر سياسيا وتاريخيا أن نصل إلى مرحلة “اللادولة واللارئيس” في حال استمرّ “الفراغ المؤسساتي” ومعه تواصل الدفع إلى “مأسسة الفراغ” وتطبيع المشهدية السياسية مع هذا المعطى.

صحيح أنّ الكثير من الرؤساء العرب، على غرار الرئيس التونسي السابق محمد المنصف المرزوقي، عجزوا عن إيفاء معادلة “الشخص والمؤسسة” حقّ الإيفاء وصارت مؤسسة الرئاسة صنوانا للفراغ والغياب، بل إنّ كثيرا ما يطرح سؤال أين الرئيس في ظلّ استقالة شبه رسمية عن الفعل والتغيير والإصلاح، غير أنّ التذرّع والتوسّل بضعف الشخص لإلغاء المؤسسة فيه الكثير من التجني والمجافاة، ذلك أنّ الأصل الديمقراطي كامن في بقاء المؤسسة وتغيير الوجوه، كما أنّ الأصل الاستبدادي متمثل في بقاء الشخص وتكلّس المؤسسة، في حين أنّ الأصل الفوضوّي والتفكيكي للدول والشعوب متجسّد في تفتيت المؤسسات وإسقاط الأشخاص والتنظير فقط لولاية رئاسية طويلة لفخامة “الفراغ”.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر