السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

عند الطبيب المرء يهان

الإنسان عند الطبيب ذليل، مستخذ، متملق. عندما يطلب منه أن يقف على رجل واحدة أو ينقلب على بطنه ويرفع يده، مثلا، يفعل كل ما يُطلب منه مثل حيوان مدرب في السيرك.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/06/02، العدد: 9936، ص(24)]

كل من يذهب إلى الطبيب يعتقد أنه ليس مريضا حقا وأن الأمر لن يعدو كونه رشحا بسيطا أو تقلصا في عضلة أو تشنجا في عصب. يروح إلى الطبيب ليطمئنه لا ليكتشف مرضا جديا. يريد شهادة موثقة على صحة ودقة تفسيره الرغائبي.

الطبيب لن يفعل أكثر من أن يخزه بإصبعه في خاصرته وضلوعه ويقوم بطقوس عجيبة في النقر على كفه المنبسط على الجسم وهو يدور حولك مثل ساحر قبيلة الهنود الحمر. الطبيب سيسأل أسئلة غير لائقة وغير مهذبة مثل الاستفسار عمّا يحصل لدى الذهاب إلى الحمام ومسائل خاصة جدا عيب الخوض فيها. كل هذه الجلافة ستتم ووجه الطبيب عبوس وفي منتهى الوقار. ومن يعتقد أن لديه مرضا خطيرا لا يذهب إلى الطبيب إلا متباطئا جدا.

والإنسان عند الطبيب ذليل، مستخذ، متملق. عندما يطلب منه أن يقف على رجل واحدة أو ينقلب على بطنه ويرفع يده، مثلا، يفعل كل ما يُطلب منه مثل حيوان مدرب في السيرك. هنا يفقد الإنسان وقاره وكبرياءه وهو يبتسم بذل.

وبسبب حالة التملق هذه لم أر طبيبا لا وهو يعتقد أنه ذكي ومضحك. كل من يراهم يضحكون لأسمج نكاته. وحين يقول رأيا يهزون رأسهم متفقين معه مظهرين أن ما قاله هو الحكمة بعينها. وهناك شيء مثل هذا يقع لكبار المسؤولين. القوة والغطرسة عند الطبيب هي منحة بشر خائفين.

كنت في جلسة صغيرة مع نجيب محفوظ وآخرين. كان هناك جراح عيون جرّني إلى حديث جانبي. قال الجراح إن رجلا من غزّة حضر إلى عيادته في القاهرة لإجراء عملية. وذكر أنه قال للمريض “أنتم الفلسطينيين أضعتم فرصا تاريخية. ألم يكن من الأجدى أن تقبلوا بتقسيم عام 47؟ ثم أضعتم الفرصة تلو الفرصة، ألا تحس بالندم؟” ثم أكمل الطبيب مزهوا “أتعرف إنه وافقني تماما؟ وأبدى الندم حقا”.

سألته سؤالا بسيطا وهو “هل كانت عين الرجل مفتوحة إلى أقصاها مشدودة الجفنين وأنت تحمل مشرطا؟” فهم السؤال صديقي الذي أحضرني إلى الجلسة وأطلق ضحكة عالية.

هناك طبيب واحد قريب مني إلى حد أنه صارحني بمعرفة رهبة الناس منه. هو إنكليزي تماما إلى حد أن اسمه نايجل. أذهب عنده كل عام ليزرقني إبرة تحصنني من الإنفلونزا الموسمية. كنت أسخر منه أحيانا. كان قد أعد الإبرة وأنا رافع قميصي إلى حد الكتف. كنت أقول له ناصحا بتهكم “لدي حكمة أريدك أن تتعلمها وهي أن تواظب التحصيل والبحوث مهما بلغت درجتك، فالإنسان مكتوب عليه التعلم والبحث حتى مماته"..

فقال وهو يبتسم بخبث “وهل تريد أن تسمع مني حكمة تفيدك حتى الممات؟” قلت تفضل. فقال وابتسامته تزداد اتساعا “يا حسين، لا تهزأ من رجل سيغرس إبرة في جسمك بعد ثوان”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر