الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

ماذا بعد الانفجار؟

ما تتخوف منه واشنطن وحلفاؤها من البديل السوري بعد التهويل من مكانة المتطرفين في العمليات العسكرية الداخلية، ليس له قياس في الحالة العراقية.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2013/10/05، العدد: 9341، ص(9)]

لا يفاجئ الوضع الحالي الكثير من المهتمين بالشأن العراقي خصوصا فيما يتعلق بجانب الانهيار والانفجار الأمني الذي بدأ منذ التاسع من أبريل 2003 بسبب الاحتلال العسكري الغاشم الذي استمر لثماني سنوات وإلى حد الآن، وفاق جميع توقعات صانعيه ومدبريه أو المنتفعين منه على جميع المستويات المحلية والإقليمية.

ليس جديدا القول بأن العراق وُضع جديا منذ أربعة عقود تحت دائرة الاهتمام الإسرائيلي ومن حوله الاهتمام الأميركي، ورسمت المخططات الاستراتيجية لتفتيت قوته التي شعرت إسرائيل أنها خطر على وجودها ومستقبلها. لقد أعلن وزير الأمن الإسرائيلي السابق في محاضرة له نشرتها أخيرا صحيفة «الجيورزاليوم» الإسرائيلية جملة من الحقائق الاستراتيجية بشأن العراق ومصيره، وخصوصا علاقة إسرائيل الاستراتيجية بالأكراد. وما يهمنا هو قوله «إن ما حققته الولايات المتحدة الأميركية في اجتياحها العسكري للعراق واحتلاله من نتائج تفوق تصورنا، كان من المستحيل على إسرائيل أن تحققه إلا بوسيلة واحدة وهي استخدام عناصر القوة التي بحوزتها بما فيها السلاح النووي. تحليلنا النهائي أن العراق يجب أن يبقى مجزأ ومنقسما ومعزولا داخليا بعيدا عن البيئة الإقليمية، هذا هو خيارنا الاستراتيجي».

وببساطة نقول إن هذا الخيار والهدف يتحققان اليوم على يد القوى السياسية الطائفية في العراق. وقد يأتي اليوم الذي تعلن فيه إسرائيل عن سعادتها بهذا الإنجاز الطائفي وصولا إلى التقسيم الذي تحاوله السلطة عبر ظلم أبناء المكونات الاجتماعية. وبعد أن وضعت هذه السلطة جميع العقبات لمنع بناء المجتمع العراقي الواحد في ظل دولة ديمقراطية مدنية تشيع العدالة والمساواة، وتحقق التنمية لبلد يضاهي في ثرائه المالي والتنموي دول المنطقة التي يتنعم أبناؤها بالخير والرفاه، فيما يعيش غالبية أبناء العراق تحت خط الفقر.

ولعل المفاجأة التي ترهق جميع المخططين لهدف التفتيت والاحتراب الطائفي، تكمن في رفض الشعب للتمزيق الاجتماعي خصوصا بين السنة والشيعة في العراق، وفشل المراهنات المتلونة والمفتعلة في تحقيق هذا المشروع الخبيث. وأثبت العراقيون تمسكهم بمقومات وجودهم الموحد، والتعبير عنه في مناسبات عدة، وسط لهيب النار الطائفية التي تخبو وتشتعل وفق إيقاعات سياسية مرتبة، ووجود أصوات وطنية كثيرة خارج الحكم تتبنى الحرب على الطائفية المقيتة.

لقد وقع الصدام السياسي منذ وقت مبكر من العملية السياسية بين القوى الطائفية المنسجمة مع الأطماع الإقليمية والدولية، والقوى الوطنية الساعية إلى تحقيق أهداف بناء الوطن العراقي الديمقراطي ودولته الوطنية المدنية. وقد نجحت القوى الطائفية تكتيكيا في تحقيق أهدافها بسبب الدعم الأميركي القوي في تسليمها السلطة، ومنحها المشروعية الدستورية الكاملة، وقطع الطريق أمام القوى الليبرالية العراقية الأصيلة من المشاركة الديمقراطية الجدية في إدارة البلاد، والإقصاء التدريجي للمشاركين معهم في المرحلة الأولى من غير الطائفيين، مما ولّد لدى تلك القوى الحاكمة شعور النجاح الذاتي، وأنها تمتلك أدوات استمرارها في السلطة والمال وقدرتها على قمع أية قوة معارضة لحكمها رغم فضائح الفساد المالي المهينة.

ووفق سياسات تتناقض مع مواثيق الديمقراطية والحرية والسلم الاجتماعي، وتوفير الأغطية السياسية والإعلامية لمجموعات القتل والاعتقالات والتطهير الطائفي، التي لم تنقطع يوما منذ عشر سنوات، وأعيدت من جديد ذات الأدوات التي نفذت في ظل الاحتلال الأميركي عامي 2006 و2007 ولكن بصورة أكثر فظاعة في قتل واعتقال أصحاب الكفاءات العلمية والخبرات العراقية العالية التي اختارت التشبث بأرض الوطن على الهجرة. فضلا عن استشراء الفساد والرشوة داخل المعتقلات لإطلاق سراح الأبرياء لقاء مبالغ مالية لا يتحملها كاهل المواطن العادي.

هناك حقيقة تقول إن أية قوة سياسية أو عسكرية حاكمة لا تتمكن من تحقيق مكانة بين الناس بقمعهم وتشريدهم وتجاهل مطالبهم المشروعة، ولن تتمكن لعبة الانتخابات من أن تحميهم من العزلة القاتلة، ومصر مثال على ذلك، فالمكانة الحقيقية تتحقق عندما يكون الحاكم محبوبا جماهيريا، وحين يكون حاكما لكل الوطن لا لفئة أو طائفة.

كما تؤكد جميع الشواهد السياسية، أن الاعتماد في المحافظة على الحكم لا يتحقق وفق إرادات الخارج. فحين تنفصل العلاقة بين الحاكم والشعب فعليه أن يغادر، ولعل الوسائل الديمقراطية خير وسيلة تغطي على الشعور بالهزيمة والخذلان.

في عراق اليوم هناك حالة فشل كلي في جميع جوانب الحياة وفي مقدمتها توفير الأمن والأمان للشعب. وإلا لماذا وفرت الميزانيات الضخمة لجيش جديد بني وفق معايير بعيدة عن المهنية وعن الأهداف الحقيقية لحماية الشعب وليس للحكومة. وهل مبررات وجود هذا الجيش والقوى الأمنية هي تصفية ما تبقى من «البعثيين وتنظيم القاعدة»؟ وهل من المعقول رغم هول الكارثة والانفجار المتواصل في العراق، ألا يتم القضاء على هذا التنظيم وأدواته؟

هذا الانفجار الكبير في العراق الذي تنفذه قوى الإرهاب يكشف أن السلطة غير قادرة على ضبط البلد، وأن الأزمة التي تعيشها تحتاج إلى حلول وطنية جذرية. وهناك تشبث غريب بالتمسك بالسلطة عن طريق الترغيب والترهيب، والدخول في صدامات عمياء حتى مع القوى المتحالفة عقائديا معها، والتشبث بدعم الأميركان عبر وسائل باتت معروفة في اللعب على التوازن المصلحي بين موسكو وواشنطن وطهران، الذي اعتمد مؤخرا على الملف السوري لمحاولة تمريره في العراق، أي تكرار ما نجح به الرئيس السوري بشار الأسد الذي باع مكانة سوريا الإستراتيجية، لقاء استمراره في السلطة، لتحقيقه في بغداد عبر تجديد ولاية ثالثة للمالكي.

إن إدارة أوباما الحالية مهما انساقت وراء مصالح دولتها الخارجية وفق السياسات التوفيقية التي جلبت المهانة لأميركا، تظل مقيدة بمعايير حقوق الإنسان الملتزمة بها تجاه الشعب الأميركي وتجاه العالم، ولن تقدم للحكام المحليين في المنطقة صكوك الدعم في الاستمرار بالحكم.

وما تتخوف منه واشنطن وحلفاؤها من البديل السوري بعد التهويل من مكانة المتطرفين في العمليات العسكرية الداخلية، ليس له قياس في الحالة العراقية، فالصورة مختلفة لتسقط معادلة البديل المقلق، لأن قوى المشروع الوطني المعروفة في عبورها للطائفية حاضرة بين أوساط الشعب العراقي.

إن لعبة المقايضة التي تكررها سلطة بغداد بأن بديل الحكم الحالي سيكون قوى «الإرهاب والبعثيين» وغيرهم فاشلة. صحيح إن الحالة العراقية ليست بعيدة عن لعبة المصالح الروسية الأميركية، وعن النفوذ الإيراني المتحكم بالإدارة السياسية الحالية للعراق، لكن مع كل هذه المعطيات الإقليمية والإمكانيات السلطوية للحكم في بغداد، فإن حالة انفجار بركان النار في العراق على يد قوى الإرهاب، والفشل في الإنجاز للمواطنين بجميع مكوناتهم والفساد المخزي، هي عناصر تؤكد على فشل الحكم الحالي. ولاشك أن القوى السياسية المخلصة للبلد قادرة على بلورة مشروع عراقي عابر للطائفية يعتمد بصورة فعلية على قوى الشباب، ويتجاوز العقبات التنظيمية والبنيوية التي رافقت قيادة هذا المشروع بمواصفاته التي خاضت به الانتخابات السابقة.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر