الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

التقنية هي قلب العمل الفني

بعض الفنانين العرب لا يعبرون في أعمالهم عن التقنية المستخدمة كوسيط أو ملحق للعمل، بل هي تكاد تكون المضمون وقلب اللوحة الخافق بحسية مفرطة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/06/04، العدد: 9938، ص(16)]

تقع التقنية الفنية التي يتبعها أي فنان تشكيلي على حدود لصيقة مع مضمون العمل الفني. تبرز أهميتها قياسا على قدرتها على إيصال الفكرة التي يريد الفنان التعبير عنها مهما أوغلت الفكرة في التعقيد أو الالتباس.

التقنية الفنية كانت ولا تزال حتى الآن في عرف النقد الفني عامة، والعربي خاصة، أقل درجة في الأهمية من النص السردي أو التجريدي للوحة، لأن وجودها يقع في خدمة اللوحة.

بعض الفنانين العرب لا يعبرون في أعمالهم عن التقنية المستخدمة كوسيط أو ملحق للعمل، بل هي تكاد تكون المضمون وقلب اللوحة الخافق بحسية مفرطة.

لعل أبرز هؤلاء الفنانين هو اللبناني محمد الرواس الذي اشتهر “بنحت” لوحته وإبراز معالمها باللمس والبصر على حدّ سواء، حتى يكاد المشاهد يفقد الرغبة في فهم المضمون والاكتفاء بما يقدمه من سحر التقنية المتبعة التي تنضح شعرية “عصرية” ملؤها الصمت والنأي بالذات عن الآخر في أوج المحاولة للتقرب منه.

صحيح أن لوحة الفنان تعجّ بالمعاني التي شيدها كبناء هندسي- تراكمي يقرأ بصريا من جميع الاتجاهات والأبعاد وهي تتناول مواضيع “ملحّة”، كموضوع المرأة وانصهار الأزمان على الطريقة البرغسونية، وانحلال الحدود بين الأمكنة التي يسكنها الإنسان في خياله أو في الحقيقة.

ومع ذلك فقوة لوحته وتميزها يعتمدان على موهبته في الإبهار التقني كفعل فنيّ يضخ الحياة في شرايين المواد المستعملة، فإذا هو، أي الإبهار التقني، يكاد يطيح بمضمون اللوحة عن عرشها ليكون هو الملك والوسيط بينه وبين الشعب المُتطلع إليه على حدّ سواء.

اعتمد الفنان على التركيب المشرذم والتفكيك المؤطر والمعلب دون الدمج بواسطة تقنية الرسم، والكولاج، واللصق، وإدخال مجسمات صغيرة مختلفة من بلاستيك، ومعدن رقيق، وخشب، ومادة سيليكون، وخيطان معدنية، وجفصين، وبراغي وكتابات بالعربية والأجنبية، وصور فوتوغرافية وغيرها من المواد.

كل المواد مهما بلغت درجة زئبقيتها أو صلابتها تصبح بين يديه راضخة لشروطه، حتى يكـاد الناظر إليها يتساءل، لا بل يتمنى أن يرى مُستقبــلا كيف باستطاعـــة فنان كمـحمد الـرواس أن يطوّع عنصر الماء في عمله.

من يزور مرسم محمد الرواس تكتنفه حيرة شيّقة، فهو محترف فيه ريشات متعددة الأحجام وفيه الألوان الزيتية والأكريليكية وغيرها من المواد والعناصر المألوفة، ولكنها موضوعة في حيّز يخلق مشهدية مختبر علمي صارم لا يحتمل التلوث ولا الفوضى. كذلك هو عمل محمد الرواس صارم وذهني، شخصي وتقني، حسابي وشعوري في الآن ذاته.

لعل تجربة الحرب اللبنانية لها الأثر الأكبر في إنتاج نصه البصري المتزن و”الحذر” الذي تخلى عن التورط العاطفي بالحوادث، ليتجه نحو “الصوابية” التقنية، إن صحّ التعبير، مانحا الإبهار التقني إدارة شؤون نصه الفني برمته.

تلك الصيغة الفنية التي قوامها النأي بالنفس تظهر حتى في خضم التعبير عن أفكار سياسية واجتماعية تتناول ثيمة الحرب اللبنانية.

تساءل الفنان في قراءته لموضوع الحرب حول جدوى الفن ودوره، وكيفية النفاذ من الآنية، والتخلص من ضيق الزمن، فابتكر لذاته أسلوبا فنيا أوغل به في الاختزال اللوني والعقلانية، بعيدا عن الغنائية التي مارسها قبل الحرب اللبنانية.

لقد التزم الفنان التقشّف الشعوري ليقيم من خلالــه مسرحا سورياليا تبدو فيه شخوصه كدمى متحركـــة لا تعرف الموت النهائـي، وإن كان قد عاش تحت ظلاله، ورآه بأم عينه عبر الفظاظة الهائلة التي أفرزتها الحرب اللبنانية.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر