السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

أردوغان وسقوط نموذج 'الإخوان'

اليوم يسقط النموذج التركي الذي كثيرا ما سوّق له، تحت عناوين 'العمق الإستراتيجي' و'الصفر أعداء' و'الحياد الإيجابي' و'النقد الذاتي العميق'، وتحوّل أردوغان إلى سلطان في مملكة الخوف.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/06/06، العدد: 9940، ص(8)]

بين الإسلاميين ونظام رجب طيب أردوغان علاقة تلازمية حتمية، تبدأ من وحدة البراديغم السياسي، وتنتهي عند نموذج الحكم المراد تطبيقه في أقطار ما بعد الربيع العربي.

يقف إسلاميو العالم العربي على أنقاض تجارب سياسية فاشلة في الحكم، من السودان حيث انتهت التجربة إلى نصف انقلاب عسكري ونصف حكم إسلاموي شمولي، إلى مصر حيث أفضت حكومة محمد مرسي إلى تبعية إقليمية واضحة لدوائر اتخاذ القرار في الدوحة، إلى ليبيا أين سقطت بقايا سلطات القذافي بمعاول الإخوان، وحلفائهم التكفيريين، بعد أن عمد الإسلاميون الليبيون إلى العبث بعش الدبابير السلفي وإحياء “غول المناطقية والتطرف” من قمقمه، إلى تونس حيث عمّمت الترويكا الحاكمة سابقا بقيادة النهضة نموذج “الدولة الغائبة” في كافة المجالات الحياتية للمواطن، وكادت البلاد أن تتردّى إلى منحدر “الدولة الفاشلة”.

بحصيلة هزيلة في الحكم والمعارضة معا، وبنتيجة ضعيفة في الثقافة والاقتصاد والعلاقات الدولية وإدارة المؤسسات، يعيش إسلاميو العالم العربي اليوم على هامش الفعل السياسي. في الراهن المعيش اليوم هم ثلاثة أنواع، إمّا قدم في الحكم وقدم في المعارضة على الشاكلة التونسية، وإمّا قدمان في السلطة ويدان خارجها لتخريب الدولة على الشاكلة الليبية ممثلة في المؤتمر الوطني وحكومته في طرابلس، وإمّا قدمان ويدان للهدم والإفساد على الحالة المصرية.

وسط هذه المشهدية السوداوية بدياجير الفشل والإخفاق، يصبح الحكم التركي الأردوغاني، الذي حقق بعض النجاحات الاقتصادية في البلاد، نموذجا للإخوان من حيث تحوّله إلى ذريعة حجاجية يستدلّ بها عند كلّ خطاب إسلاموي لتبرير الإخفاقات المحلية من جهة، ومزيد إيهام الرأي العام بقدرة الإخوان على النجاح في حال توفرت ذات الظروف الموضوعية المتحققة في تركيا من جهة ثانية.

المفارقة أنّ ذات الخطاب التبريري الإخواني يعمد خلال تغنيّه ومدحه للتجربة الأردوغانية إلى القفز فوق حقيقة تاريخية محرجة للإخوان متمثلة في أنّ الرصيد العلماني والمكتسبات الجمهورية التي أمنّتها الدولة الحديثة اللائكية، هي اللبنة الأساس التي بنى عليها أردوغان تجربته في الحكم، وهي شرط نجاحه الجزئي ومقدمة تفوّقه النسبيّ، وكلّ تزكية للتجربة الأردوغانية لا تمرّ عبر هذه الديباجة العلمانية وهي تزكية مراوغة للتاريخ وزائغة عن التأريخ.

المفارقة الأعجب في ذات السياق، أنّ التالهين التائهين بالتجربة الأردوغانية غير قادرين عن استيعاب حقيقة المتغيّرات الراهنة في تركيا والإقليم، وكأنّ النموذج صار قالبا متحكما في صيرورة التمثل والإدراك معا.

اليوم، يصمّ الإسلاميون العرب آذانهم عن حقائق الفساد العائلي لأردوغان وعن ارتباط المال والإعلام والسياسة لدى أتباع “العدالة والتنمية”، وعن التحالف الإستراتيجي القائم بين أنقرة والتنظيمات التكفيرية، وعن اللصوصية الموصوفة المقترفة من أردوغان ضدّ معالم حلب وتجارها وآثارها الأثيلة، بغض النظر عن موقفنا من النظام السوري، بل ويغض الإخوان الطرف عن الحرب الشعواء التي أعلنها السلطان العثماني ضدّ القضاء والصحافة والمثقفين وحتّى المحافظين الأتراك من خارج “الصندوق السلطاني”.

اليوم، يسقط النموذج التركي الذي كثيرا ما سوّق له، تحت عناوين “العمق الإستراتيجي” و“الصفر أعداء” و“الحياد الإيجابي” و“النقد الذاتي العميق”، وتحوّل أردوغان إلى سلطان في مملكة الخوف بعد أن شنّ حروب الملاحقة القضائية والأمنية والتشويه الإعلامي ضدّ خصومه وضدّ المستقلين في دولة لا مكان فيها للحياد حيال السلطان… وفرمانه.

وإن كان من بدّ لـ“النمذجة” الإخوانية لتركيا، فليكن نموذج العبرة والذكرى عندما تسقط الدول وتتداعى الأمم وتنهار الأقطار بمعاول الهدم المحلي، عندما يصير الرئيس سلطانا والقرار فرمانا والقصر الجمهوري قصورا عثمانية، وعندما يسوس الفساد والاستبداد، وعندما تجيّر الصحافة لغير الحقيقة وتلاحق ماليا وقضائيا بمجرّد كشف الانخراط في الرقص مع الذئاب الداعشيّة.

صار أردوغان نموذجا للفشل بعد تسويق ناجع لنجاح نسبي، ولولا خروج العرب من أرض العرب ما دخل أردوغان إليها، ولكن تلك هي فاتورة “الغياب والعتاب”.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر