الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الصحفي الشاهد في حاجة إلى شهود

الشاهد الجديد ذو الهاتف المحمول قدمته الحروب والصراعات بديلا عن الصحفي المحترف الذي لم يتمكن من الوصول إلى عين العاصفة وتخلف وتقاعس عن أن يكون في قلب الحدث.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/06/09، العدد: 9943، ص(18)]

صحفيون في دائرة الخطر وفي قلب الصراعات التي تعصف بالعالم العربي مشرقا ومغربا، صحفيون محترفون وهواة على السواء، الكل مطالب بأن يكون شاهدا، ثم وصلنا إلى نوع جديد من الصحفي الهاوي، ذلك الذي لا يحرر خبرا ولا يصنع تغطية ولا يبتكر ضربة صحفية، بل إن كل ما يمتكله هو هاتفه المحمول الذي يصور ما يجري أمامه من صراعات أو أحداث حتى صار لتلك الصور المشوشة وغير الاحترافية شاشات احترافية تتلقفها دون تردد، في وقت كان هذا النوع من المواد الفيلمية للهواة وحتى أقل من مستوى الهواة من المواد المحظورة التي تنزل بمستوى القناة الفضائية وتجعلها في موقف العاجز ومن يفتقر إلى المهنية وإلى الكوادر والطواقم المحترفة.

الشاهد الجديد ذو الهاتف المحمول قدمته الحروب والصراعات بديلا عن الصحفي المحترف الذي لم يتمكن من الوصول إلى عين العاصفة وتخلف وتقاعس عن أن يكون في قلب الحدث، بينما صارت هذه المهمة من المقدسات الصحفية التي لا نقاش فيها، أن يكون الصحفي في قلب الحدث، بما في ذلك الحروب والصراعات الدامية.

هذا الواقع الجديد أنتج لنا روايات متعددة للحدث، بل إن تلك الكاميرا الضبابية صارت أداة محاججة وتفنيد لإعلام الخصم في بعض الأحيان، آداة ولو قاصرة وغير احترافية، إلا أن القناة انتهزت الفرصة لكي تتسلق من خلالها إلى الطرف الآخر فتفحمه ببضع ثوان أو دقائق مشوشة.

ثم كان أن انفتحت سوق كبرى لهذه البضاعة، سوق لم تكن في الحسبان ممثلة في قناة “يوتيوب” الرخيصة والسهلة والمتاحة برسم الجميع، لا تفرق بين غث وسمين ومحترف وهاو أو حتى نصف هاو، خليط متناثر متضارب من المواد الفيلمية التي تم تصويرها بالهاتف المحمول جاءت لتكمل مهمة الصحفي الشاهد الذي سوقته هذه الفضائية أو تلك من أجل تلبية غاية في نفس يعقوب.

في حالات أخرى كانت الفضائية مطرودة من أرض هذه البلاد أو تلك ومغضوب عليها، تلاحقها اتهامات شتى بعدم المهنية والتضليل وخيانة الضمير المهني والأخلاقي وتزييف الحقائق والاصطفاف مع الخصم، إلى غير ذلك من اتهامات ظاهرة ومبطنة، ولذلك لم تجد بديلا عن ذلك الصحفي الشاهد صاحب جهاز الهاتف المحمول الذي تحاول من خلاله أن تشفي غليلها من خصومها فتفضحهم بصور مشوشة وأصوات متنافرة وتزيد على ذلك بأن تستضيف متحدثا يسلط الضوء على فحوى تلك الصور فيوضّح الواضحات بكلام عربي فصيح.

لعله ضرب إعلامي عربي فريد وجديد صارت فضائيات عربية كثيرة تنحو المنحى ذاته عندما تعييها الحيلة وتعجز عن أن تجد لها مراسلين وصحفيين مستعدين للذهاب إلى قلب الحدث وبؤر النيران، لكن ما صار يلاحق هذه القنوات الإعلامية في تبنيها لذلك الصحفي الشاهد غير المحترف أنه بحاجة إلى شهود لأن الخصوم ما انفكوا يرفعون شعار “إنها صور مفبركة وهي بحاجة إلى إثبات” أو في رواية أخرى “لم يتسن التحقق من صحتها”، ولـهذا لابد للشاهد الصحفي والهاوي من شهود، فهاتفه المحمول لم يعد وحده كافيا لتمرير القصـة.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر