الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

صهيونية في ظل الأهرامات: سنوات الاختراق

ما كان ممكنا أن تحدث الثغرة التي تسللت منها القوات الإسرائيلية لولا المعلومات. وما كانت هزيمة 1967 لتنسف أحلام العائشين في السراب لولا توافر 'معلومات' ربما تزيد على حاجة جيش لتحقيق النصر.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/06/09، العدد: 9943، ص(8)]

تزعم إسرائيل أنها انتصرت في حرب أكتوبر 1973. تلك الحرب التي تنطوي على عدة “حقائق”، منها أن أنور السادات خدع، ببناء الفعل للمعلوم والمجهول، بما أطلق عليه “الوقفة التعبوية”، فجرى ما يجري في التراجيديا، بتفرغ القوات الإسرائيلية للجبهة السورية، ثم نجاح قوات شارون في تحقيق “العبور” العكسي لقناة السويس، واستأسدت غولدا مائير بعد انهيارها، وقالت في الكنيست بثقة “لنا قوات تقاتل في أفريقيا”. تلك حقيقة تعزز الرواية الإسرائيلية عن نتيجة الحرب.

ما كان ممكنا أن تحدث الثغرة التي تسللت منها القوات الإسرائيلية لولا “المعلومات”. وما كانت هزيمة 5 يونيو 1967 لتنسف أحلام العائشين في السراب لولا توافر “معلومات” ربما تزيد على حاجة جيش لتحقيق النصر، حتى أن مئير عميت، مدير الموساد آنذاك، أدهشه أن تحدد معلومات دقيقة، عن حياة الضباط وتدريبهم وميولهم وعائلاتهم، نتيجة الحرب قبل أن تبدأ.

وما كانت نكبة 1948 إلا ثمرة نصف قرن من أنشطة لا تنقصها “المهارة”، والتخطيط المؤسسي الصارم، كما ترصده الباحثة الإسرائيلية روث كيمحي في كتابها “صهيونية في ظل الأهرامات”.

أنوه إلى أن صفة “الإسرائيلية” التي كتبتها قبل اسـم المؤلفة لا أعني بها الجنسية، وإنما الديانة؛ فديانة اليهودي في مصر في مطلع القرن العشرين في الأوراق الرسمية هي “إسرائيلي”.

لم يسبب ذلك الوصف ضيقا لأي مصري غير “إسرائيلي”، ولا حرجا لليهودي الذي انتسب إلى “بني إسرائيل يعقوب”، قبل إنشاء كيان يخلط الديانة بالجنسية التي تصبح حقا لليهودي ولو كان ملحدا لا علاقة له بشريعة موسى، أو مقيما بأرض بعيدة يجهل فيها أيـن تقع فلسطـين، ولا تربطها بها معرفة، ولا أقول انتماء. كتاب «صهيونية في ظل الأهرامات”، صدر في تل أبيب عام 2009، ومؤلفته روث كيمحي ولدت عام 1944 في القـاهرة لأب مصري وأم سورية، وهاجرت مع أبويها إلى فلسطين في مايو من عام 1948.

تقدم روث كيمحي بحثا وثائقيا عن النشاط الصهيوني في مصر، وقد جمعت مادة البحث من 20 أرشيفا في فرنسا وبريطانيا وأميركا، وشهادات صهاينة غادروا إلى فلسطين من مصر التي عاشوا فيها مندمجين، اجتماعيا وثقافيا وسياسيا.

كانت الجالية اليهودية تتمتع بالأمان والاحترام، فلم تفرض أي قيود على الأنشطة الاقتصـادية لقياداتها، “ولا حتى على نشاطها الصهيوني”، إذ كانت “النخبة اليهودية جزءا من النسيج الاقتصادي الاستعماري الرأسمالي”، فمنهم أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ، وعين رئيس الجالية اليهودية بالقاهرة يوسف أصلان قطاوي باشا وزيرا للخزانة (1924)، ثم وزيرا للمواصلات في العام التالي، كما عين يوسف بيشو توباي نائب رئيس الجالية اليهودية بالإسكندرية عضوا بمجلس الشيوخ ممثلا لحزب الوفد (1924)، وعين حاخام الجالية الأكبر ناحوم أفندي عضوا بمجلس الشيوخ المصري (1931)، قبل انقضاض قادة الصهيونية العالمية (حاييم وايزمان وناحوم سوكولـوف وزئيف جابوتنسكي) على الجالية اليهودية في مصر، “وتمزيقها والقضاء عليها سياسيا، كي لا تكون عائقا أمام الحركة لتنفيذ مخططها ونشاطها في مصر”، واحتلال فلسطين.

كانت السنوات الثلاثون (1918 – 1948) مرحلـة الاستعداد والانقضاض، أما التأسيس فبدأ مبكرا. في 1896 أرسلت الحركـة الصهيونية يوسف ماركو باروخ، أول مبعوث إلى مصر. باروخ المولود في تركيا تلقى تعليمه الجامعي في فرنسا وسويسرا، وبدأ نشاطه في الجزائر ثم النمسا وبلغاريا، وكانت مصر محطته الأكثر أهمية، ففي فبراير 1897 أنشأ أول جمعية صهيونية في مصر والعالم الإسلامي، أطلق عليها اسـم “بركوخبا”، واستمر نشاطها سبع سنوات في القاهرة والإسكندرية، ولكنها لم تجتذب إلا الأشكيناز وتوقفت عام 1904، وانشطرت إلى نحو عشر جمعيات أبرزها “جمعية محبي صهيون” و”شبان صهيون”، وفي منطقة قناة السويس تأسست جمعية “تكفات صهيون” (وتعني أمل صهيون).

وفي نوفمبر 1913 انتخب ممثلو الجمعيات الصهيونية بالقاهرة والإسكندرية لجنة موحدة هي “اللجنة الصهيونية المركزية لمصر” برئاسة نورمان بنتوفيتشي وإلبار موتساري وأشير بلوم ويعقوب كليف ودكتور إلفاس. تلك اللجنة التي أنهت سنوات من التشرذم والانقسام الصهيوني في مصر، كانت فرعا للمكتب المركزي الصهيوني الرئيسي في برلين.

وفي مارس 1917 انتخب جاك موتساري رئيسا للحركة الصهيونية في مصر، وبدأ عمله بإصدار مجلة أسبوعية اسمها “وجهة نظر صهيونية”، وظلت تصدر حتى عام 1923، واستخدمت “في نقل الرسائل الصهيونية العامة للجالية اليهودية بمصر”، وكانت تنشر الخطب التي يلقيها قادة الحركة الصهيونية في أي مكان بالعالم، وتقارير عن تطورات أحوال المستعمرات الصهيونية في فلسطين، وأخبار الجمعيات الصهيونية في مصر، وأسماء المتبرعين اليهود للصندوق القومي الصهيوني. وفي مارس 1918 انضم إلى اللجنة المركزية المحامي ليئون كاسترو، وهو شخصية فريدة رافقت الحركة الصهيونية العالمية ثلاثين عاما حتى وقوع النكبة.

قارئ الكتاب لن يكون محايدا، ستدخله المؤلفة إلى السطور، فيدهشه وقوع جدل ونقاشـات حامية بين قادة الحركة الصهيونية في مصر ورئيس الحركة حاييم وايزمان الذي رفض منح “اللجنة المركزية للهستـدروت الصهيوني” في مصر صلاحيات التصرف في ما جمعته من أموال بلغت 100 ألف جنيه إسترليني، فاستقال جاك موتساري وأهارون ألكسندر، وفي يونيو 1918 انتخب ممثلو الجمعيات الصهيونية في القاهرة والإسكندرية والمنصورة وبورسعيد لجنة جديدة هي “هستدروت صهاينة مصر” برئاسة يوسف شيكوريل.

قارئ الكتاب سيرى الساحة المصرية خالية، لا يملأ فراغها إلا أعضاء اللجنة، بأنشطتهم المتنوعة. في عام 1920 يصدرون صحيفة “إسرائيل”، ويؤسسون في الإسكندرية جمعية نسائية تنظم حفلات لجمع التبرعات، وجمعية فتيان صهيون التي أنشأت “مكتب المبلغين” لخدمة الوافدين من أوروبا إلى الإسكندرية، قبل نقلهم إلى فلسطين.

تقول المؤلفة إن هذا المكتب “كان معترفا به من جانب السلطات البريطانية والمصرية”، وإنه منذ إنشائه حتى عام 1927 نقل 12 ألف يهودي إلى فلسطين، وإن ميزانيته أشرفت عليها لجنة تأسست من قبل، عام 1918، هي “من أجل فلسطين” وليس “من أجل إسرائيل” للتمويه.

لم تتوقف أنشطة الحركة، ولا آلتها الدعائية (مجلة كاديما 1933) مع استمرار الصحف الأخرى، وتوالد “جمعيات ولجان صهيونية جديدة في مصر” في الثلاثينات، ثم انتقلت الحركة من “الإصلاح” إلى العمل المسلح، بشراسة أساليب “الصهاينة الوايزمانيين” للإسراع إلى إقامة الدولة من النيل إلى الفرات وإبادة الجنس العربي، وتلك قضية أخرى.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر