الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

مدربون في حلبة الحُكم

معركة الإصلاح السياسي والاقتصادي والتربوي والصحي والاجتماعي تتقدم على معارك الجنود واستخدام السلاح، لأنها تتناغم مع مقولة 'الوقاية خير من العلاج'.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/06/09، العدد: 9943، ص(8)]

الانهيارات المتتابعة في العراق تشبه التقارير التي تتناول تعبئة المباني القديمة بأصابع الديناميت بعمل فني وهندسي دقيق، ليكون التهديم ضمن المساحات المحددة تحسبا لعدم إلحاق الضرر بالبنايات والمنشآت القريبة.

مختصون في التهديم، بخبرة واسعة ومخاطر ربما تنال من سلامتهم وحتى حياتهم، ومنهم يتوارثون المهنة ضمن حدود العائلة الواحدة، رجالا ونساء على حد سواء.

الفكرة تقترب من حلبة الملاكمة، فتوجيه الضربات لا يكون عشوائيا، إنما في أماكن معينة لإسقاط الخصم بالضربة القاضية، ولن يتم ذلك إلا بإصابة الجهاز العصبي بفقدان التوازن والتراخي في الأقدام والسيقان، ليتخلخل الجسد ولا يعد الثبات ممكنا، في البناء كذلك، الأهم الأساسات والدعامات الحاملة لكل البناء.

المثال يقترب من تداعي عدد من الدول العربية، الواحدة بعد الأخرى، ومن الداخل أيضا حيث تساقطت المدن وانهارت، يظل العراق أكثر تطابقا مع واقع العمل المنظم المدعوم بالخبرات والمخططات الدولية والإقليمية، التي انتهت باحتلال العراق المباشر من أميركا، وما تبعه من موجات متعاقبة في عالمنا العربي. لكن مجريات بعد الاحتلال لا يمكن أن توصف إلا بعشوائية التهديم الذي شمل كل ضمانات السلامة وطال البنى الاقتصادية والعملية والتربوية والإنسانية والعسكرية والأمنية، والأهم السياسية.

شخصيات ليست لها دراية ولا خبرة، تساهم في التهديم دون حساب ولا أهداف تقف عند حد، ولا تهمها مساحات التدمير ولا الخسائر المادية أو البشرية، أو إهدار الزمن أو آثار ذلك على المستقبل والأجيال.

النيات السيئة المبيتة واضحة المعالم والمداخلات الدولية أيضا، وصادرات بلاد فارس معروفة الجذور والأصول والغايات مع حماقات الأفعال الوحشية المتطرفة والاحتلالات المستجدة المتواترة.

كلها ممكن إدراجها تحت بند الأهداف المعدة سلفا، والمؤامرات الدولية وتنفيذ الخطط القريبة والبعيدة في الأجندات الخارجية، لكن الجانب الأهم والحيوي نوجزه بقلة الخبرة في إدارة دولة مثل العراق تعصف بها فوضى الرؤى وتقاطع المصالح والأفكار بما يهدد وحدة المصير.

العراق يسعى إلى استقدام الخبراء في مجال التدريب العسكري والأمني لتخريج مقاتلين جاهزين لخوض المعارك وتحرير الأرض ومسكها، وتتناقل التصريحات الرسمية والإعلامية أعداد المدربين، والجدل حول مدى فائدتهم في إعداد جيش مهني مدرب جيدا لمقاومة حجم التحديات المطروحة الآن على ساحة الصراع. لا أدري حقا لماذا تصاب الشخصيات السياسية بالحرج، كلما طالبنا باستقدام خبراء كبار في جميع المجالات لتدريب من هم في المناصب الحكومية العليا، وكذلك البرلمانيـين وكل الشخصيات النافذة في كيفية التعاطي بالاختصاصات، وطريقة إنجاز الأعمال أو إصدار القرارات الحاسمة.

ليـس ذلـك تهكما ولا عيبا، فأكبر الشـركات في العالم تنظم محاضرات للعاملين فيها لتعليمهم كيفية زيادة الإنتاج وتطوير النوعية، ويتقاضى هؤلاء المحاضرون مبالغ كبيرة لقاء ساعة من الزمن أو أكثر من المعلومات المفيدة أو الأفكار العملية، لتحسين الأداء بما يحقق النتائج المرجوة. بعض المسؤولين من حملة الشهادات العليا، يعتقدون أنهم خارج منظومة التعلم واكتساب الخبرات، وذلك خطأ فادح لسبب بسيط يتمثل في القفزات المتسارعة في العلوم والمعارف والإدارة والتسويق والاتصال وغيرها.

دولة مثل أميركا، لديها بحدود 11 عالما، بما يطلق عليهم “العقول العظيمة” يعملون كمستشارين وحكماء لإبداء الرأي وتقديم النصح والمشورة في القضايا المهمة والحاسمة، ومنهم من أصول غير أميركية، وبينهم من الحائزين على جوائز عالمية كنوبل في اختصاصات علمية متنوعة.

ما وصل إلينا بعد سنوات ليست قليلة من الاحتلال، قلة التجربة، مع التعالي والإصرار على عدم التعلم، وأداء الوظائف العليا بنمط وأسلوب إداري متخلف يتعاطى مع البريد والتواقيع والرفض والقبول وهي أعمال روتينية لا يمكن أبدا أن نلمح فيها شيئا من الابتكار والتجديد لأن النظام السياسي يعتمد محاصصة المكاسب الطائفية والحزبية والشخصية.

التجربة المصرية الحالية، بإمكاننا أن نشهد فيها الدور الجاد الذي يؤديه طبيب القلب الجراح العالمي مجدي يعقوب، وأيضا عالم الكيمياء أحمد زويل وغيرهما، وهم ليسوا من الطاقم الحكومي إنما يعملون كمجلس استشاري للنهوض بمصر ورسم السياسات العملية للمستقبل القريب والبعيد، ويشمل الصناعة والزراعة والطب والتعليم والثروات المائية وتعددية آراء واختصاصات غرضها إعادة وطن إلى طريق الإنسانية والحياة الأفضل.

شخصيات عراقية تحظى باحترام العالم، لا نطلب من الدولة في واقع الهدم أن تكلفهم بإدارة الوزارات أو المؤسسات، إنما كعقول متقدمة في خبراتها يمكن الاستفادة منها في تعليم القادة والزعماء والوزراء والنواب كيفية إدارة أنفسهم أولا، وتشغيل طاقة التفكير وتنميتها لإعدادهم، بالضبط كما يحصل في تدريب الجنود أو رجال الأمن في الساحات لتجهيزهم بدنيا وفكريا لمواجهة العدو والانتصار عليه.

معركة الإصلاح السياسي والاقتصادي والتربوي والصحي والاجتماعي تتقدم على معارك الجنود واستخدام السلاح، لأنها تتناغم مع مقولة “الوقاية خير من العلاج”.

لو كانت هناك تنمية حقيقة ورفاه اقتصادي ومساواة بإنصاف وعدل أمام القانون مع احترام لحقوق الإنسان، كان الإرهاب بمختلف جذوره لن يجد مناخا صالحا لإنبات بذوره كميليشيات أو نزوع طـائفي أو تعصب مـا، لأن من يقومـون بالهـدم الآن سيعثرون على طرق حماية الحداثة والإعمار واستقبال الغـد، ولن يحدث ذلك إلا بوضع الحاضر تحت مجهر الحقيقة لنتبين جهلنا في مـدى خطورة الأمراض التي تفتك بجسدنا وتنذر بأسوأ النهايات.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر