الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

نهر قديم في مدينة محترقة ومؤرخ بلا ذاكرة

رفاقي في الطفولة ثلاثة: البرد في الصباح، والجوع في الظهيرة، والكآبة في المساء.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2013/10/06، العدد: 9342، ص(11)]

المؤرخ: اليوم أيضا، سوف أسال نفسي السؤال نفسه "عمّ سأكتب اليوم". كتبت في هذه الصفحة في كل مرة عن كل شيء. وها أنا خال تماماً من أي شيء. ورغم أن رأسي تضج بالأخبار والأحداث التي وقعت وتقع على مدار الساعة. فلا شيء عاد يؤثر بي... مهما كان رائعاً أو مروِّعاً.

النهر: أكتب عني.

المؤرخ: من أنت؟ إنني حتى لا أكاد أتبين لك شكلاً.

النهر: رفيق طفولتك.

المؤرخ: لا أذكر لطفولتي رفيقاً له هذا الصوت الرخو... رفاقي في الطفولة ثلاثة: البرد في الصباح، والجوع في الظهيرة، والكآبة في المساء. هؤلاء هم كل رفاقي. لكن ما اسمك؟

النهر: ما شأنك باسمي مادمت تنكر عليَّ حتى أن أكون موجوداً!

المؤرخ: لا تقل لي إنك النهر الصغير الضائع؟

النهر: أنا هو، لست إلا هو.

المؤرخ: النهر المحبوب في القصائد، أم النهر المتيبس من العطش ولسانه مقشر كلحاء شجرة تحتضر؟

النهر: أنا نهر طفولتك وها أنت تهجوني..يالك من مؤرخ جاحد!

المؤرخ: ما هذا الجراب الذي تحمله على ظهرك المحدودب حتى لتبدو كشحاذ أو عابر سبيل؟

النهر: هذه ذكرياتي.

المؤرخ: لديك كل هذه الثروة من اليوميات ولا تفصح عنها.. ما بك خائف؟ هل أنت ساكت على فضيحة؟

النهر: ما أنا إلا نهرٌ في مدينة محترقة!

المؤرخ: لكنك نهر قديم، إنك أقدم من نيرون وهرقل وهولاكو وجنكيزخان وتيمورلنك الذي رمى على ضفافك جثث الحرفيين والصبية والمقاتلين في القلعة. ماذا تشتغل هذه الايام؟

النهر: أنا بلا عمل.. إنني قاعد أتفرج وأدون يومياتي.

المؤرخ: ومتى ستنشرها؟

النهر: يوميات الناس تنشر عادة بعد وفاتهم.

المؤرخ: من أنت، ذكّرني باسمك؟

النهر: أنا، بردى، نهر طفولتك.

المؤرخ: سمعت عنك في القصائد وفي نشرات الأخبار. ولم أتخيل أنك شاحب إلى هذه الدرجة. ما هذا الجراب الذي تحمله على ظهرك كحدبة أو سنام؟

النهر: إنها ذكرياتي عن الأصياف الأجمل سأتركها لأحفادي من الينابيع الصغيرة التي لم تلد بعد.

المؤرخ: ظننتها غيوماً وأمطاراً صناعية تدّخرها لأيامك الأخيرة.

النهر: إنها ذكريات للأطفال فقط، ولطفولتك حصة فيها.

المؤرخ: لقد أهنتني كثيراً.. أخرج من مكتبي، فأنا لم أكن طفلاً في يوم.

النهر: ووقوفك الحزين على ضفتي المعتمة في أيام الجمعة الحزينة وتطلعك من هناك إلى ضفتي المضيئة من دون أمل أو رجاء، أليس شيئاً جديراً بأن يستعاد من قبل مؤرخ!

المؤرخ: كل ما ينتمي إلى طفولتي الشقيقة بعته أيام شقائي في سوق الخردة فلم يقم أودي ليوم. أما الآن فأن مَرجع محترم.

النهر: هل نسيت أيام كنت تخوض وإخوتك في الماء وتتسلق الحجارة والأعشاب الشوكية وكل ما يقع تحت يدك لتعبر إلى ماوراء الضفة الثانية حيث الأضواء والحركة والألعاب والحلويات والدول الأجنبية. أنا هو ذلك النهر الذي سمح لرجليك بالخوض فيه والعبور إلى الضفة تلك.. وصلت أنت وعاد إخوتك خائبين.

المؤرخ: أي ضفة وأي وصول أنا لم أعبر نهراً في حياتي؟

النهر: يا لك من مؤرخ...! كيف تكتب وأنت بلا ذاكرة؟ أنظر إلى شكلك إنك تشبه شجرة ماتت منذ قرون.

المؤرخ: أنا هنا معتصم في مكتبي منذ سنوات لأدوّن بموضوعية. هنا يدون التاريخ.

النهر: كنت أظن الأرض بيت الرحمة، والحرية غيمة الله على بنيه، فإذا بالأرض مساحات من الشوك ومراحل من العذاب...والآن، معي أمانة خافقة بالحياة وعامرة بالوقائع والذكريات أريد أن أودعها في مكان ما برسم الأجيال التي ستعود وتسكن هذه المدينة.

المؤرخ: هاتها ساضعها بين جلدتين وانشرها في كتاب وأزينه باسمي.

النهر: قبل أن التقيك ظننت أنني أستطيع ذلك.. والآن يبدو أن عليّ أن أعلّم جراحي كيف تتخدّر، وحواسي كيف تموت!

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر