الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

كولاج الزمن المرّ

الفن التشكيلي يشبه كثيرا في ذلك، فترة المراهقة المتمثلة بسرعة العطب وسرعة ردة الفعل حين تواجه -من وجهة نظرها- شرور العالم المحيط.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/06/11، العدد: 9945، ص(16)]

تشكّل الحروب والأزمات وما تخلقه من أسى وشعور بالتخلّي، المحرك لنشوء فنون وتقنيات فنية ثورية تدير ظهرها لما سبقها وإن كان لفترة محدودة، قبل أن تعود إلى مراجعتها أو حتى تبنيها، مدركة أن معنى “الظلم” الذي ثارت عليه لا يكمن في تلك التقنية الفنية أو ذلك التيار الفني، بل في الظروف الحاضنة له.

الفن التشكيلي يشبه كثيرا في ذلك، فترة المراهقة المتمثلة بسرعة العطب وسرعة ردة الفعل حين تواجه -من وجهة نظرها- شرور العالم المحيط. الفن هو المراهق الدائم الذي نادرا ما يهدأ دون أن يدمر ما سبقه حين يجده قد خرج من نطاق توقعاته أو بات سببا للألم أو الملل. هكذا نشأت تاريخيا الحركة الفنية المسماة “بالدادائية” كردة فعل على الحرب العالمية الأولى، التي أبلغ ما قيل فيها أنها “فقدان البراءة الجماعية”.

اعتمدت الدادائية على عملية فنية ثورية مسماة “بالكولاج”. جاءت هذه التقنية انطلاقا من رغبة في تدمير فكرة الجمال في العمل الفني، هذا الجمال الذي سحقته حقيقة الحروب.

تتمثل هذه التقنية في إدخال مواد غير تقليدية آنذاك إلى فضاء اللوحة التشكيلية مثل قطع الخشب المهملة، والمعادن الصدئة، وخاصة قصاصات ورق الجرائد التي كانت لها الأهمية الكبرى إذ جرى استعمالها بطرق عديدة تتنوع وفق مزاج الفنان.

باتت الكلمات المطبوعة ورمادية اللون والمرفقة بالصور الباهتة والمرهونة بحياتها القصيرة التي نادرا ما تتعدّى اليوم الواحد، هي المادة المفضلة لدى الفنانين. منهم من عمد إلى تمزيقها ولصقها عشوائيا على اللوحة ومن ثم رشها بالألوان النارية أو “الدخانية” المتصاعدة من الأبنية المقصوفة بالطيران. ومنهم من أعاد ترتيبها لتكون ساخرة وصانعة لبشاعة ممنهجة تسخر من كل ما اعتبر جميلا قبل الحرب.

في المنطقة العربية الآن، حيث الحروب والتمزقات الأكثر عنفا برز فنانون كثر مخضرمون وشباب اعتمدوا الكولاج في استخدامهم لورق الجرائد. أسلوبهم جاء مختلفا ومشربا بمشرقيتهم المثمنة لجمالية الخط العربي والتجريد الغنائي.

منهم من أدخل الجريدة كعامل بنائي يرافق عناصر أخرى في اللوحة، كدلالة على أهمية الصحيفة اليومية في حياة الإنسان العربي، كما هو الحال في أعمال الفنان نزار عثمان.

بعض الفنانين تعاملوا مع “ممزقات” الجرائد كأبجديات رصاصية، ترتفع كالهواء الساخن المنبعث من الحرائق، في فضاء اللوحة أو “تتصلب” في وسطها معلنة مصداقية فظاعتها المطلقة، من هؤلاء، الفنان ألفريد طرزي.

أما الفنان شادي أبوسعدة فقد عمد إلى إدخال قصاصات الجرائد في لوحاته لتكون جدرانا تمنع انهيار الزمن، وتعلن أن أبطال لوحاته هم صناع الحدث، أو هم شغله الشاغل.

توجد أيضا تجربة فريدة للفنان العراقي محمد قريش الذي أعطى لقصاصات الجرائد في لوحته عصفا جماليا من الحروف العربية، أضافت إلى مضمون لوحته نفحة صوفية خارج الموت القائم.

هناك أيضا الفنان الفلسطيني علي الكفري، الذي استخدم أوراق الجرائد بصورة “كيميائية” إذا صح التعبير، لتكون دعامة حسية لعناصر لوحته المشغولة بالتعبير عن الموروث الفلسطيني.

ويعمد الفنان إلى قص الصور أو الكلمات ليضع عليها لاصقا ابتكره هو، ثم يضعها على سطح اللوحة، لينزع ورقة الصحيفة بعد مرور زمن فتبقى الصور أو الكلمات مطبوعة على قماش اللوحة.

يعبر الورق فضاء الفن العربي الحديث، يدخل إلى عوالم الفن المفهومي من خلال أعمال الفنان بلال طه الذي فرّغ ورق الجرائد من محتواها تاركا بضعة أحرف، ليؤكد أنه ما من قراءة واحدة لنص واحد، لا قراءة واحدة لعالم غارق في الأوهام والجرائم المتخفية تحت ذرائع واهية.

يحمل ورق الجرائد هشاشة الوجود، يدسها في قلب الأعمال الفنية في محاولة لإيجاد صيغة قراءة، تضع هذه الهشاشة التي غالبا ما تكون مدججة بالفظاظة والقسوة في مجال اللوحة كي تصبح قابلة للفهم وللاحتمال.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر