الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الحداثة الشعرية العربية

بينما كانت تتقدم الحداثة الشعرية العربية في مشروعها كانت الحداثة في الجوانب الأخرى تعاني من الضعف، والمقاومة التي يبديها الواقع العربي تجاهها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/06/11، العدد: 9945، ص(15)]

الحداثة الشعرية العربية التي عبرت عن نفسها من خلال مجموعة من التحولات في بنية القصيدة العربية، اتخذت أشكالا ومرجعيات فكرية وجمالية ثلاث، قومية وماركسية وليبرالية، وكانت في صياغاتها وتوجهاتها ومفاهيمها تعكس حالة الوعي العربي في لحظة تاريخية فارقة، تؤشر في مضمونها وتطلعاتها على طبيعة الاختيارات والرهانات السياسية والثقافية، التي كان يعيشها هذا الوعي على مستوى العلاقة مع الذات والآخر.

كثير من الدراسات حاولت أن تقرأ هذه التحولات في الذائقة الجمالية العربية، في ضوء المتغيرات الاجتماعية التي كانت تطرأ على الواقع العربي، في حين حاولت دراسات أخرى أن تعزوها إلى التأثير الذي مارسته الثقافة الغربية على الثقافة العربية، عبر مراحل تاريخية مختلفة توجت بالإنجاز الحاسم الذي حققته هذه القصيدة، في منتصف أربعينات القرن الماضي.

الجانب الذي لم تحاول تلك الدراسات أن تقاربه، وتكشف من خلاله عن الخلل الحاصل في مشروع الحداثة العربية، هو العلاقة بين هذا التحول في الشعرية العربية، والتحول في بنية الثقافة والواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتربوي، الذي كانت تعيشه المجتمعات العربية في تلك المرحلة الهامة. فبينما كانت تتقدم الحداثة الشعرية العربية في مشروعها كانت الحداثة في الجوانب الأخرى تعاني من الضعف، والمقاومة التي يبديها الواقع العربي تجاهها.

هذه المفارقة تكشف أن الربط بين ظهور الحداثة الشعرية وتحولات الواقع الاجتماعي، لم تكن موفقة في قراءتها لأسباب هذا التحول، خصوصا أن بنية الواقع الاجتماعية كانت تشهد صعودا لقوى اجتماعية، استخدمت القوة والقمع لفرض سلطتها ونهجها عبر مجموعة من الانقلابات العسكرية المتتالية، شكلت قطعا مع سيرورة التطوّر التاريخي للمجتمع.

لقد كان يفترض بالفكر العربي بأنماطه الثلاثة التي عبرت عنها تحولات الشعرية العربية، أن تخلق فضاء واسعا للجدل والتجديد في بنية هذا الفكر، تثري الواقع وتسهم في تعميق تحولاته الأخرى، لكن شيئا مهمّا من ذلك لم يحدث، ما يرجح تأثير العامل الخارجي على هذه الحداثة، ويفسر حالة المراوحة والتخبط في الموقف من هذه الحداثة، والتعاطي معها كمفهوم وفعل وسياق.

من هنا يمكننا أن نلحظ غياب الدور الفاعل والمؤثر للنقد العربي في تلك التجربة، فقد ظل يلهث خلفها أكثر مما يواكب تطورها، أو يسهم في بلورة قيمها الفنية والجمالية، ولعل حالة النكوص التي عبرت عنها نازك الملائكة في موقفها من تلك الحداثة التي أسست لها، ما يدلل على حالة الممانعة التي كان يبديها الواقع لمشروع الحداثة، ويفسر أسباب تراجع حضور الشعر العربي المعاصر، وتأثيره في حياتنا الثقافية الراهنة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر