الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

عام على الاحتلال الداعشي: ماذا جرى ولماذا

قصة داعش لم تستنفد أغراضها، وما زالت في قمة الاستثمار، وﻻ تبدو لها نهاية قريبة إن لم يتغير جوهر السياسات المحلية.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/06/15، العدد: 9949، ص(9)]

في العاشر من يونيو الحالي، يكون قد مر على الاحتلال الداعشي للعراق عام كامل في عملية اجتياح عسكري لحدود العراق مع سوريا واحتلال الموصل ثم تكريت، وكذلك الأنبار المحتلة أجزاء منها قبل ذلك. وانهزمت القوات المسلحة العراقية مرتين بذات الإيقاع؛ الأولى في الموصل، والثانية في الرمادي بعد عشرة أشهر من الواقعة الأولى. صمتت الحكومة العراقية إزاء هذا الحدث برئيسها الذي أخرج من الولاية الثالثة، أو الذي تولى من بعده إثر الهزيمة.

أحيلت هذه القضية الكبرى إلى البرلمان الذي شكل لجنة لم تنجز أعمالها لحد اليوم، مع أنها قضية احتلال ربع أرض العراق وهي تهمة خيانة عظمى بحق مسببيها، الأميركان أرجعوا ما جرى إلى أسباب تتعلق بمعنويات المقاتلين في مؤسسة الجيش الجديد، وهم الذين أشرفوا على بنائه ويعلمون المصادر البشرية لتشكيلاته عبر ما سمي بالدمج (أي انضمام منتسبي الميليشيات الشيعية)، ولم يتيسر لشباب العراق من خارج هذا التوصيف الطائفي الانخراط في تشكيلاته، وغالبيتهم كانوا من منتسبي الجيش السابق الذي حله بول بريمر بدعم من القيادتين الشيعية والكردية، وأصبحوا ما بين عاطل في بيته أو منضم للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال، أو مطارد وفق قوانين اجتثاث البعث ومادة “أربعة إرهاب”. هذا البناء المعتّل ذو الطبيعة الطائفية هو الذي قاد إلى الهزيمة أمام تنظيم داعش.

الداعشيون اجتاحوا الأراضي العراقية بسهولة لأن حدود العراق منذ عام 2003 أصبحت مشّرعة للأغراب، دخلته أفواج الإرهابيين من القاعدة والإيرانيين وغيرهم. وقبل عام 2003، كانت الحدود مسورة بحرس حدود صارم وجيش جرار، لا يستطيع الطير الغريب المرور من سمائه دون علم مسؤوليه، رغم دكتاتورية واستبداد نظامه.

كانت الظروف المساعدة لهذا اﻻجتياح سياسة القمع والتهميش والظلم الطائفي، ورغم الجراح العميقة أبدى أبناء تلك المحافظات وخصوصا “الأنبار” استعداداتهم لطرد داعش من أرضهم بعد توفير الحدود الدنيا من الإنصاف السياسي ثم التسليح، لكن القوى المتطرفة داخل التحالف الشيعي رفضت المهادنة مع أبناء العرب السنة، واعتبرتهم (بقايا نظام صدام وحاضنة التكفيريين) وأي محاولة لرفع الحيف عنهم تفسر وفق أوهام عقلية المؤامرة، بأنها تعني تسلل البعثيين إلى السلطة. ولهذا لم تتوفر للمواجهة العسكرية مع داعش في معركة الموصل أو في معركة الرمادي الحدود الدنيا من مقومات الحرب الوطنية. بل كان البحث محموما لالتقاط حوادث ومظاهر وإحالتها إلى التفسير الطائفي المقيت. فجريمة سبايكر التي سيق فيها شباب عراقيون أبرياء إلى مجزرة الموت والمتهم فيها داعش، تحال تهمتها إلى عشائر تكريت وفق مسرحيات رخيصة يقودها مرتزقة وتجار حروب.

حيدر العبادي لم ينفذ ميثاق الاتفاق السياسي مع العرب السنة، وفق تصريحات الأميركان وهم شهود تلك الوثيقة. والسبب لا يعود إليه شخصيا، وإنما إلى بعض قوى التحالف الشيعي المتمسكين بالسياسة الانفرادية التي قادت إلى هذه النتائج.

الأزمة السياسية والعسكرية كان ينبغي أن تقود إلى مراجعة شاملة للسياسات التي أدت إليها، لكن ذلك لم يحصل، بل تعمقت سياسات التهميش واستثمار وجود ممثلين للعرب السنة فقدوا صلتهم بأهلهم كغطاء لذلك. وظلت بيئة التفريق بين العراقيين هي السائدة تحت شعار “أحفاد يزيد مقابل أحفاد الحسين، والعرب السنة داعشيون”، والعنصر المهم الآخر هو غياب القرار العراقي المستقل، والارتهان إلى النفوذين الأميركي والإيراني.

أميركا تجد في تمدد داعش في العراق مفيدا لها في الجانب اللوجستي، حيث تتحول الأرض العراقية إلى منطقة قتل حيوية للدواعش لدرء خطرهم القادم إلى أميركا. وهم لا يريدون التورط مرة أخرى في المستنقع العراقي، ويعلمون أن الضربات الجوية لا تنهي داعش، وقد كلفتهم لحد الآن ثلاثة مليارات دولار حسب التصريحات الرسمية، وهم بأمس الحاجة إلى من ينسق معهم على الأرض، وهم العرب السنة، فالحشد الشيعي في نظرهم ليس محطة إشعار أرضية أمينة، وهم أكثر خدمة إلى إيران، ولهذا اصطدمت رغبتهم بتسليح العشائر العربية بالأنبار برفض التحالف الشيعي الخاضع لنظرية المؤامرة التي تقول بأنه يمكن توجيه فوهات البنادق نحو القاطنين في المنطقة الخضراء.

الإيرانيون يستثمرون الحرب على داعش لتحويل نفوذهم الفوقي إلى نفوذ أفقي ممتد بين أوساط الشباب العراقي، دون الحاجة إلى سفارات ومراكز دعوية ومنشورات وفضائيات. قصة داعش لم تستنفد أغراضها، وما زالت في قمة الاستثمار، وﻻ تبدو لها نهاية قريبة إن لم تتغير السياسات المحلية.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر