الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

فن يخرجنا من سجن الصور

تطورت الصورة الفوتوغرافية بشكل سريع جدا، وتم ابتكار أنظمة رقمية متنوعة لتعديل الصور وتبديل أجزاء من مضامينها، ممّا أضاف عنصرا جديدا إلى هذا الصراع “الحضاري” بين الصورة واللوحة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/06/18، العدد: 9952، ص(16)]

قبل بداية عهد الصورة الفوتوغرافية كان همّ الفن التشكيلي ولا سيما الغربي، هو محاكاة الواقع وإنقاذ مشاهد الحياة الخاصة والعامة من النسيان. برزت على تفاوت أهميتها، لوحات تشكيلية موضوعها الأفراد وتفاصيل الحياة اليومية، ولوحات مختلفة تتطرق إلى الحوادث العامة، فتسجل دقائق الحروب والاغتيالات وتخلّد وجوه قادة ورواد في مجالاتهم.

كما اشتهر فنانون كثر من خلال ارتباطهم بأسماء ملوك وشخصيات كان لها الأثر الكبير في عصرها وخارج مجتمعاتها. حتى خلال القرن التاسع عشر، الذي عرف ظهور المدارس الفنية الكبرى مثل الانطباعية والتنقيطية والتعبيرية، بقي الفن التشكيلي وفيا للمرئي-الواقعي، ولكن من خلال النظرة الشخصية للفنان.

جاءت الصورة الفوتوغرافية لتقلب موازين المفاهيم المتعلقة بالمنظور، وبات هاجس الفن التشكيلي يتمركز حول إيجاد صيغة نجاة بغية الخروج من المأزق المفهومي لوجوده.

وما لبثت الصورة الفوتوغرافية أن أعلنت ما يشبه حربا لم تنته حتى الآن مع الفن التشكيلي، إذ كثرت جولات الكرّ والفرّ بينهما حول أهمية ومصداقية ما يقدمه كلاهما للمشاهد.

منذ البداية صرح الشاعر الفرنسي شارل بودلير أمام الصورة الفوتوغرافية الداخلة حديثا إلى العالم، أنه يعتبرها “شتيمة لعمل الفنان المقدس.. وليست إلاّ ملجأ للفنانين الفاشلين”، بينما وجد فيها الفنان العملاق أوجين دولاكروا “تقنية جديدة تحرر الفنان من قيود كثيرة”.

مع مرور الزمن، تطورت الصورة الفوتوغرافية بشكل سريع جدا، وتم ابتكار أنظمة رقمية متنوعة لتعديل الصور وتبديل أجزاء من مضامينها، ممّا أضاف عنصرا جديدا إلى هذا الصراع “الحضاري” بين الصورة واللوحة عندما يتناولان حدثا واحدا.

لعل هذا التشنج بين الخطابين شديد الوضوح في عالمنا العربي، لأنه عالم يفيض بصور فوتوغرافية لا تُشبع عين الجلاّد ولا تُطلق يد مدينيه. صور موثقة لحروب ومرثيات لدمار يفوق واقع المشهد ذاته، حتى يكاد هذا الواقع أن يسائل الصورة عن مدى بلاغتها، لا بل “حقها” في تظهيرها له. ربما هنا يدخل دور اللوحة التشكيلية في رأب الصدع بين المشهد والصورة المجسدة له.

لا شك أننا في عالمنا هذا دخلنا إلى “الإيبر رياليزم” الصور، أي إلى ما فوق الواقعية. تلتقط الصور حقيقة حسية مهولة، ولكنها لفظاعتها تكاد تُسلب من واقعيتها، فتلجأ إلى الدخول في عالم الفن التشكيلي القادر على تلقفها وصهرها، أو توظيفها في عالمه المتعدد الأبعاد المتكيّف مع شتى أنواع الجنون الإنساني.

يقول رولان بارت، الفيلسوف ورائد علم الإشارات “إن في الصورة الفوتوغرافية شيئا آخر يُستشعر ويريد النجاة، هو شيء ما يريد أن يمتد إلى مكان آخر”. لعل هذا المكان هو اللوحة التشكيلية التي ترصف الجسر بين الظاهر في صور الدمار وما تستبطنه من معان تضيء قناديله في عتمة الليل العربي.

إذا كانت السوريالية، أي ما فوق الواقعية هي ما ميزت التيار الفني الشهير الثائر على الحرب العالمية، فإن “الإيبر رياليزم” ما فوق الحقيقي هو أكثر ما تعبر عنه أعمال فنانين كثر من التشكيليين العرب لدى تسليطهم الضوء على الحروب في أوطانهم.

صحيح أن صورة لطفل لبناني أو سوري أو يمني من أتون الحروب هي بالغة الأثر لواقعيتها، غير أن لوحة واحدة قادرة ومن خلال استلهام صورة طفل واحد، على احتضان أطفال العرب كلهم.

نجد مثالا على ذلك في اللوحات التي رسمها الفنان التشكيلي السوري عبدالله العمري، والتي تكتنز في ذاكرتها بالملايين من الصور الفوتوغرافية لأطفال قتلهم النظام.

لوحات هي صور، صور هي لوحات، لوحات فيها هذا “الشيء الآخر الذي يريد الخلاص” والفنان، مُحقق لهذا الخلاص بحساسية لونية تنقذها من موتها المُوثّق في الدفاتر الرسمية.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر