الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

تونس: 'عملية القليب' والدولة المهزومة

في كل صفقة تبادل هناك يد عليا وأخرى سفلى، على تونس أن تعرف قوانين التفاوض وملابسات المقايضات دون سقوط في التنازلات السريعة والمؤلمة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/06/23، العدد: 9957، ص(9)]

أسقطت عملية وليد القليب بين السلطات التونسية وميليشيات فجر ليبيا المقولة الإخوانية المتمثلة في أنّ “القوات التابعة للمؤتمر الوطني” تمثل خطّ الدفاع عن تونس في وجه تنظيم داعش الذي بات يسيطر على كامل سرت، وأثبتت أنّ الدولة التونسية تقف أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما دولة الميليشيات شبه الإرهابية في طرابلس، أو دولة الميليشيات الإرهابية في مسقط رأس العقيد القذافي.

الخطير في عمليّة وليد القليب، التي انتهت بصفقة تبادل تقضي بالإفراج عنه مقابل إطلاق سراح طاقم الدبلوماسية التونسية في طرابلس، إثبات أن الدولة التونسية لا تمتلك أساسيات المناورة السياسية والإعلامية، ولم تكتشف بعد أوراق الضغط الإقليمية والدولية على الميليشيات الليبية رغم حالة التشابك الحدودي والأمني والعسكري والاقتصادي القائم مع ليبيا.

الغريب أنّ تونس لم تسع إلى توظيف العلاقات الدبلوماسية الجيدة مع قطر، التي حلّ وزير خارجيتها مؤخرا في تونس، في ملفّ الدبلوماسيين المختطفين ولم تطرق بوابة تركيا التي تقدّم الدعم اللوجستي والمادي والإعلامي للمؤتمر الوطني، وبقيت تعالج ملفّ المختطفين انطلاقا من لجنة وزارية ضيقة لا تدرك سبل التفاوض مع الميليشيات ولا مسلكيات الضغط على العصابات المسلحة.

الخطير متجسّد في قبول الدولة التونسية مبدأ التفاوض على استقلالية القضاء، وهو أمر جلل في دولة تعيش مرحلة انتقال ديمقراطي، حيث أنّ هذه الخطوة تفتح الباب أمام خطرين، الأوّل متمثل في طغيان الحسابات السياسية على استقلالية المؤسسات الدستورية والقانونية، والثاني متجسّم في إعطاء صورة “الدولة المهزومة” للميليشيات المسلحة داخل تونس وخارجها بأنّ الدولة مستعدة لتنفيذ شروط الخاطفين ولا تملك حدودا حمراء عند التفاوض مع الإرهابيين، وهو ما قد يعطي إشارات خضراء للجماعات الإٍرهابية في تونس وخارجها لتنفيذ عمليات اختطاف في سبيل المقايضة مع “دولة” مهزومة ومهزوزة.

صحيح أنّ الدولة التونسية سعت إلى تجاوز خطئها في ملفّ الشورابي والقطاري من حيث السلبية في التعاطي مع القضية، بيد أنّ المفارقة أنّ ذات السلطة التي أبطأت في الاستحقاق الأوّل وتسرّعت في الثاني، والتي اعتمدت في الملف الأوّل التحفظ والسريّة، انتهجت في الثاني التنازل المتهوّر دون دراسة لأوراق الضغط التي تملكها تونس، ودون استشراف لتداعيات العملية على أمن تونس أولا، وعلى هيبة الدولة ثانيا.

إن كانت هناك من نقاط إيجابية في العملية، مع عودة الطاقم الدبلوماسي التونسي إلى أرض الوطن، فهي إغلاق السلطات لقنصليتها في طرابلس وهي خطوة تندرج في سياق مراجعة لمسار الدبلوماسية التونسية في الملف الليبي ونقد ذاتي لمسلكية عرجاء قوامها الاعتراف بـ“سلطة الأمر الواقع”. ذلك أنّ سلطة الأمر الواقع لا تصنع الشرعية السياسية والدبلوماسية، فلا سيطرة ميليشيات الحوثيين على صنعاء منحتهم شرعية الدولة ولا خروج هادي من صنعاء أفقده السلطة، ولا سيطرة داعش على نصف العراق وسوريا ستعطي مشروعية للعمل الإرهابي، ولا استيلاء الكيان الصهيوني على فلسطين يفرد لإسرائيل شرعيّة الدولة.

الآن تستكنه تونس حقيقة ميليشيات طرابلس، فهم ولئن تسربلوا بغطاء حق انتخابي إلا أنهم أقرب من العصابات منهم إلى السلطة المنظمة، واستمرار الدبلوماسية التونسية في طرابلس كان سيفيد الميليشيات ويضرّ بالدولة، ذلك أنّ الميليشيات اضطرت السلطات التونسية إلى التعامل معها وفق منطق العصابات.

في كلّ صفقة تبادل هناك يد عليا وأخرى سفلى، على تونس أن تعرف قوانين التفاوض وملابسات المقايضات دون سقوط في التنازلات السريعة والمؤلمة. على تونس أن تدرك المستوى الضحل في إدارة الأزمة سيمثّل عامل تشجيع للدواعش المتربصين بتونس من جبالها وصحاريها.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر