الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

شغوف بالمطرقة

أزلت شيئا من التراب بالكف ووضعت المطرقة بعناية لتظهر في الصورة مقياسا والتقطت صورة. وتوالى الفعل عشرين مرة أنظف المكان وأضع المطرقة متخيرا لها مكانا جيدا وألتقط صورة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/06/23، العدد: 9957، ص(24)]

في الخرائط والرسوم الهندسية يظهر رقم مثل واحد إلى خمسمئة أو واحد إلى مليون إلى آخره. هذا الرقم ينبئك بأن كل سنتمتر مما تراه أمامك يساوي خمسة أمتار أو عشرة كيلومترات. هذا هو مقياس الرسم. أحيانا تجد صورة قطعة قماش موضوع عليها درهم لتعرف بصريا مقياس الصورة. لكن المقياس إذا كان غير مألوف يبعث تساؤلات من ناس لا يعرفون فكرة المقياس.

كان عندي صورة التقطها بنفسي لعقرب أسود ميت وضعت إلى جانبه علبة كبريت ليعرف الرائي حجم العقرب، وكان عقربا كبيرا مبهرا، ليس من النوع الأصفر اللئيم بل الأسود المخيف. لم يسألني أحد لماذا العقرب عنده علبة كبريت هل يدخن أم أنه يريد أن يطبخ عشاءه بموقد غازي. الكل أدرك حجم العقرب بنظرة واحدة. لم يحلل أحد علبة الكبريت.

لكن هذا الإدراك يقصر ويعجز في أحيان كثيرة عندما يكون المقياس معقدا وذكيا جدا. خذ شعار شركة أبل تلك التفاحة المقضومة، القضمة مقياس رسم، بسبب القضمة ترى تفاحة وليس ثمرة كرز، الكرز يشبه التفاح تماما دون مقياس، القضمة تجعلك ترى تفاحة، لكن الناس يروجون لإشاعات غريبة منها أن الموضوع له علاقة بألن تورنغ وانتحاره ومن قائل إنها ترمز لشجرة المعرفة وفق الفهم التوراتي للخلق وآدم وحواء، يعني وضعا مضحكا يشبه التساؤل عما يفعله العقرب بعلبة الكبريت، ليست هناك طاقة ذهنية لفهم أن القضمة مقياس لا أكثر.

ما حصل لي مع المقياس مضحك أيضا. كنت خصصت يوما لالتقاط صور لمقاطع جيولوجية في صحراء النخيب في العراق. أنهيت عملي البحثي لقرابة الشهر وفي اليوم الأخير حملت الكاميرا وخرجت مع سائق وسيارة لأحوم في المنطقة وأزور النقاط التي تظهر فيها تكوينات أو مقاطع تستحق التصوير.

الظواهر الرسوبية ومقاطع طبقات الصخور لا تشبه شيئا مألوفا ويقتضي تصويرها وجود مقياس في الصورة. الجيولوجيون يحملون مطرقة طولها قدم في العادة لتكسير الصخور والحصول على عينات ويمكن استخدامها مقياسا. وبدأت زيارة الأماكن التي تستحق التصوير والتي أعددت لها سلفا.

ترجلت في النقطة الأولى ورحت إلى المقطع المطلوب وأزلت شيئا من التراب بالكف ووضعت المطرقة بعناية لتظهر في الصورة مقياسا والتقطت صورة. وتوالى الفعل عشرين مرة أنظف المكان وأضع المطرقة متخيرا لها مكانا جيدا وألتقط صورة.

كان السائق يتابعني بفضول محاولا أن يفهم ما يجري. في النقطة الأخيرة خرج من السيارة ووضع كوعه على مقدمتها مبتسما قائلا “صورني مع السيارة”. رفضت بأدب، فانزعج بوضوح وقال “وهل أنا أقل شأنا من هذه المطرقة؟ أخذت لها عشرين صورة وتتخير لها الأمكنة وتنظف ما حولها وتصورها”. وابتعد مدمدما “كل نفس وما تهوى”.

هكذا هيئ له أن المطرقة نوع من الَفـتـِش وأني شغوف بها، وعقله يسوغ أي تفسير لكنه لا يقبل فكرة المقياس.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر