السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

وجوه المرايا الماطرة

تبدو مجمل وجوه الفنان عارية من كل زيف، مشبّعة بتعبيرية قصوى، قادرة على أن تحمل في رقة بنيانها التشكيلي، المعتمد على الرسم بخطوط متكررة وبالغة الدقة في أغلبها.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/06/25، العدد: 9959، ص(16)]

خلال هذه السنة قدم الفنان التشكيلي الأردني رفيق مجذوب معرضا فنيا حمل اسم “مطر عليّ”، قدم فيه مجموعة من الرسومات الذاتية التي تكاد تكون، من أهم الرسومات التي تناولت موضوع الوجه في اللوحات التشكيلية العربية الحديثة والمعاصرة. يعود ذلك خاصة إلى الصدق الصارخ والتلقائية في الممارسة المتصلة اتصالا حيويا بما يكتنزه الفنان من تجارب حياتية قاسية.

بعد غياب طويل عن الساحة الفنية لا يزال مشهد عيني الفنان المتعبتين، الواسعتين، التائهتين والشفافتين بشكل غريب، حاضرا أمامي منذ آخر معرض رأيته فيه. يومها شعرت وأنا أغادر الصالة بأنه ربما سيكون ذلك آخر معرض له، ولكنه لم يكن. جاء هذا المعرض بمثابة إعلان عن الخلاص من آفة الإدمان على الكحول التي دخل بسببها أحد المستشفيات المختصة.

غالبا ما تثير الوجوه التي غشاها السكر أو تلك التي اعتادته نوعا من التقزز والإعياء في نفس الناظر إليها، إذ يبدو الشخص وكأنه استحال إلى كائن خارج إنسانيته ومسلوب تماما من كل ما يمت إلى النُبل بصلة.

الغريب أن ذلك لم يكن حاضرا في عيني رفيق مجذوب، إذ أن روحه العذبة كانت تطفو على سطح نظراته المتأثرة بالمشروب.

جلّ ما قدمه الفنان في هذا المعرض أنه من ناحية، رسم بحساسية شعرية عالية “بساطة” المطر وهو يهطل على وجوه ما هي إلاّ تنويع لوجه واحد، وجهه هو. ومن ناحية أخرى أظهر للمطر طاقته السحرية، إذ رسمه مرآة مائعة تمتلك سطحين: سطحا يسمح للعالم المحيط أن “يتمرّى” أمام الوجوه المرسومة، مؤثرا ومتأثرا بها، وسطحا يعكس داخلية تلك الوجوه، فيجعلها ناطقة بصريا بكل ما يعتمل فيها من أفكار ومشاعر. هنا تكمن قدرة المطر التطهيرية.

تبدو مجمل وجوه الفنان عارية من كل زيف، مشبّعة بتعبيرية قصوى، قادرة على أن تحمل في رقة بنيانها التشكيلي، المعتمد على الرسم بخطوط متكررة وبالغة الدقة في أغلبها، ملامح الألم الخاص-العام الذي تغص فيه المنطقة العربية بأسرها.

هذا “المطر” العجائبي يحتضنه في داخله كل فنان تشكيلي عايش الحروب. هو مطر عابق بجينات الفنان الخاصة التي تمثل مَخزن ذاكرته البصرية والعاطفية التي ترشح منها رسومات وجوه بشرية تسكن لوحاته وتحمل توقيعه الخاص دون غيره من الفنانين.

هناك على سبيل المثال وجوه الفنان التشكيلي السوري همام السيد “المضغوطة” كما الكبيس في المراطبين، والتي تبدو مُملحة بدعابة سوداء أفرزتها المأساة السورية. وجوه ذات ملامح متبلدة لا تكشف ما ورائياتها، إلاّ نظراتها الحادة التي تقول: أنا قنابل بشرية موقوتة على وشك الانفجار.

هناك أيضا وجوه الفنان سمعان الطفولية والتي لها علاقات ملتبسة مع ما يحيط بها ومع ما يقف عليها من عصافير غريبة، أو كائنات أخرى اجترحها خوام من خياله. حول اللوحة التي يظهر فيها وجه صبي وعلى رأسه سلحفاة يقول خوام “عندي سلحفاة اسمها مارغو، أحب إطعامها وأحب صمتها، استوحيت هذه اللوحة منها.. هي بالنسبة لي البطء المُسكّن للألم”.

أما الفنان نهاد الترك فقد ابتكر وجوهه “الحبرية” الطيّعة كما فقاعات صابون والمشغولة بخربشات خطوطية سوداء قاتمة مستلة من نسيج الحزن السوري.

يكتب الفنان التشكيلي، رفيق مجذوب في مذكراته المرفقة برسوماته عن الغراب الملكي الأسود الذي رافقه منذ شاهده وحيدا وجميلا في صحراء عدن “أحببته، مع أنني كاره للعصافير ووجدت فيه ذاتي”، إنه الطائر الذي قال فيه أثناء صراعه مع الإدمان” السماء أمطرت غربانا لشدة بياضها”.

ها هو الفنان قد اغتسل بالمطر “الشفائي” حين أدخله إلى فضاء لوحاته، فانهمر أبيض كالغيوم في السماء الصيفية. شأن رفيق مجذوب كشأن كل فنان تشكيلي يراهن على ذاك المطر العجائبي، كي يغسل غرابه الخاص فيحيله نورسا أبيض يوقظ فعل شفاء الجراح، ويؤكد على ثبات البصيرة الفنية.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر