الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

التطرف والمشترك الديني العام

الإرهاب الديني ليس سوى التعبير المكثف عن فكر ديني متطرف يأخذ صاحبه إلى البحث عن سبل تنزيله وسط المجتمع، ويستثمر المشترك الديني العام لضمان الانتشار والتمدد.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/06/26، العدد: 9960، ص(8)]

في زحمة الأحداث التي تتداعى في المنطقة العربية، ويشكل الإرهاب باسم الدين وجهها الأبرز في هذه المرحلة، نعاين توجها غير مسبوق في أكثر من دولة عربية إلى وضع أساليب جديدة ذات طابع زجري، وإخراج قوانين إضافية للتصدي للظاهرة الإرهابية، هدفها محاصرة الظاهرة أمنيا، في إطار مقاربة استباقية ترمي إلى شل الجماعات المتطرفة قبل الوصول إلى أهدافها.

يشكل الأسلوب الأمني واحدا من الأساليب المهمة التي بإمكانها إجهاض الحركات المتطرفة؛ ففي ظل تشعب الظاهرة الإرهابية وتطور الأساليب التي باتت تنهجها، وتعقد الشبكات المتطرفة، لم يعد هناك من خيار بديل سوى اللجوء إلى رفع الجاهزية الأمنية، عملا بمعادلة الحركة والحركة المضادة. فالإرهاب اليوم أصبحت له أدواته التي تميزه، وهو يلجأ إلى اتباع تكتيكات حربية يحاول تطويرها في كل وقت للالتفاف على طرق المقاربة التي تضعها الدولة العربية، بل هو في الكثير من الأحيان يلجأ إلى تقليد هذه الطرق والوسائل التي تتوسل بها الدولة، لكي يصيغ خياراته الحربية بالتوازي معها، وهو أمر يظهر بوضوح في الكراسات الجهادية المخصصة للجوانب العسكرية والقتالية.

بيْدَ أن المقاربة الأمنية ليست كافية في التعامل مع ظاهرة من التشعب بمكان، كما هو الأمر مع الإرهاب الذي يرتدي اللبوس الديني في العالم العربي اليوم. في هذه الظاهرة يلتقي ركنان، يتطلب كل ركن منهما أسلوبا خاصا في المواجهة: هناك من جانب العقيدة المذهبية، وهناك من جانب ثان العقيدة العسكرية، وهذه الأخيرة تعد الوجه العملي التنفيذي للأولى.

تنطلق العقيدة المذهبية من صياغة تصور محدد للمجتمع وللعالم، تصور يضع الآخرين خارج العقيدة الدينية، ويرسم بين الدائرتين حدودا ذات جذور اعتقادية لا سبيل إلى اجتيازها، ويتغذى من المشترك الديني العام لدى الجماعة المسلمة، لكنه يعيد صياغته وفقا لتصور عقدي واضح وله بنية فكرية وجهاز مفاهيمي منسجم في ما بين عناصره المكونة له. ومن الخطأ القفز على هذه المرحلة من تكوين الشخصية المتطرفة، والانتقال إلى معالجة الجانب الفني في هذه الشخصية، المتعلق بالحركة الإرهابية في المجتمع، لأن ذلك بمثابة التركيز على الأطراف من دون النظر إلى الرأس، حيث يوجد المعمل المنتج للأفكار.

المشترك الديني العام يعد نقطة الالتقاط الضرورية بين خط الاعتدال وخط التطرف في المسألة الدينية

من باب التقصير، في التصدي للإرهاب ذي اللبوس الديني، التقليل من أهميته واعتباره مجرد تمظهر اجتماعي يمكن القضاء عليه بالوسائل المادية الأمنية فحسب؛ فالإرهاب الديني ليس سوى التعبير المكثف عن فكر ديني متطرف يأخذ صاحبه إلى البحث عن سبل تنزيله وسط المجتمع، ويستثمر المشترك الديني العام لضمان الانتشار والتمدد، وهذا هو الذي يفسر لنا السر الكامن وراء تناسل الجماعات المتطرفة، وقدرتها على التجنيد والحشد وتجديد نفسها تنظيميا، أو ظهور جماعات متطرفة موازية إلى جانبها، الأمر الذي يعطي الانطباع بفشل المقاربة الأمنية، في كل مرة يتجدد فيها التهديد الإرهابي.

بيد أن هذا التناسل في الظاهرة الإرهابية ليس ما يفسر فشل المقاربة الأمنية لها، ذلك أن من طبيعة هذه المقاربة أنها تتعامل مع التمظهرات الخارجية للظاهرة الإرهابية، وتتسم بالآنية ورد الفعل الموازي للحظة التمظهر، ولذا فهي غير معنية بمعالجة جذورها الضاربة العمق في النسق الديني المؤطر لها، والذي يتشكل في تفاعل سلبي مع المشترك الديني العام، الذي أومأنا إليه.

يتعين القول بأن”المشترك الديني العام”، الذي يتكون من الثقافة الدينية المنسية في الوجدان الجماهيري، المتشكلة من المخيال الجماعي الديني الناتج عن التفسيرات الشعبية للمقولات الدينية، يعد نقطة الالتقاط الضرورية بين خط الاعتدال وخط التطرف في المسألة الدينية؛ فمجموع المقولات الدينية، والمقالات السياسية الناجمة عنها، تعود بكليتها إلى هذا المشترك، الذي ينهل منه المعتدل والمتطرف، لأنه المرجعية المشتركة لدى الطرفين، وهو بالتالي حق مشاع للجميع، طالما أنه مشترك عام.

كمثال على ذلك، تعد النصوص الحديثة المتعلقة بالجهاد نصوصا مشتركة لدى كافة طوائف المسلمين، فهي إذن جزء من”المشترك الديني العام”، غير أن فرق الاعتدال تعالجها بطريقتها الخاصة التي تنزل الجهاد منزلته من الفقه والتاريخ، فيما تعالجها فرق التشدد بطريقتها الخاصة التي تنزله خارج منزلته من الفقه والتاريخ؛ الأولى تجعله أداة للبناء والإصلاح وخلق الحافزية الاجتماعية والثقافية، والثانية تجعله أداة للإبادة.

بيد أنه يتعين القول بأن الطرفين معا يتوسلان إلى ذلك التأويل بمشترك ديني عام، يمثله التراث الفقهي والتفسيري؛ منه ينطلقان وإليه يعودان في كل مرة، عبر الإحالة والتبرير والإسناد. وفي الواقع، يتعلق الأمر باستعادة لواحد من التأويلات المنتشرة في هذا التراث، وليس بابتكار تأويل معاصر يتميز به طرف عن آخر، يخرج به عن دائرة الزمن القديم لكي يلج عصره؛ إنهما يستعملان نظارتين مختلفتين للنظر إلى نفس المشهد.

هذا يعني، في ما يعنيه بالنسبة لنا الآن، أن التعرض لمسألة التطرف في الدين ليست قضية أمنية فقط، إذ ما لم يتم التوغل في تفكيك المشترك الديني العام، عبر رؤية اجتهادية معاصرة، في أفق خلق مخيال جماعي متجدد للدين في الذهنية العامة، سوف تظل دائرة التطرف تتفاعل في ما بينها إنتاجا وإعادة إنتاج متواصلين.

يتأتى هذا من طرق عدة، تبدأ أولاها بإعادة النظر في التعليم الديني؛ فلا شك أن المدرسة، بوصفها مؤسسة ثقافية للتنشئة الاجتماعية والفكرية، تلعب دورا محوريا في خلق مشترك ديني عام لدى الناشئة، يتغذى لاحقا من الثقافة الدينية الشعبية المنتشرة في المجتمع، والتي تعد في وجه من أوجهها نتاج تلك المؤسسة، والمؤسسات الموازية لها، ومن ضمنها المسجد والخطابة المنبرية.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر