الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

جنة السلمية و'فتيش' الثورة السورية

الصمت الدولي ونزاع المصالح وطرق التصويت في مجلس الأمن والفيتو وانقسام العالم إلى معسكرين، أطالت أمد النزاع بما أدى إلى التدمير الشامل والفقر والنزوح واللجوء على أوسع نطاق.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/06/26، العدد: 9960، ص(9)]

بعد “شخبط شخابيط” طلاب المرحلة الابتدائية في أحد مدارس مدينة درعا السورية و”لخبط لخابيط” ردود الفعل القاسية من المحافظ ومدير الأمن في نهاية فبراير 2011، اندلعت الثورة عارية الصدور وحاملة أغصان الزيتون، كان المتظاهرون يرددون “سلمية سلمية” مع ظاهرة الغناء ورقص الدبكات التي سمّيت بـ(القاشوش) نسبة إلى مبتكرها الذي لاقى حتفه فيما بعد بمدينة حماه، وانتُزِعت حنجرته، لكنها توزعت حناجر في ساحات المدن مرددة الحرية للشعب.

سلمية الثورة استمرت 7 أشهر، والنظام دفعها إلى العنف ليبرر سحقها باستخدام كل أسلحته وقوته وقمعه، خلال هذه المدة كان نداء التجمع إطلاق “الفتيش” أي الألعاب النارية مع بداية الليل ليشارك الرجال في التجمع بحضور النساء والأطفال، وعلى وقع أغنية “جنة جنة” وهي من أغاني الحرب العراقية ضد عدوان وطموح المشروع الفارسي في سنوات الثمانينات وغناها الفنان رضا الخياط.

كانت الأرض تهتز من ضرب الأقدام، على أمل أن يستجيب النظام للإصلاح لتتحول الأغنية إلى جنة أرضية ينعم فيها الناس بالحياة الكريمة وتوفّر فرص العمل وبناء دولة المواطنة والديمقراطية وحق المشاركة السياسية في الحكم.

7 أشهر و”الفتيش” يضيء ليل المدن بالألوان وغناء الجنة وهتاف “سلمية سلمية”، لم يفلح في لجم جموح الأفعال الفردية وانجرار الثورة إلى التعامل بالمثل لتتعالى الجروح والإساءات البالغة، ووقع الخيار على عدم اختيار النموذج الغاندي في استقبال عنف الدولة المنظم وحملة اعتقالاته وإهاناته، وصولا إلى اغتيال المعارضين ومحاولة السيطرة بالرعب وألاعيب المخابرات والأمن السياسي لإيصال الرسائل بعدم جدوى الثورة في تطويع النظام، لأن ذاكرة الشعب السوري تحتفظ بمصير أمثلة سابقة كمجزرة حماه 1982 أو حتى في درعا قبل عقد من قيام الثورة السورية الحديثة.

يبدو أن نموذج الثورة السورية استهوى الثوار بمجموعة انشقاقات في الجيش حتى بين الضباط الكبار، وسقوط بعض الثوار في مستنقع الجريمة والتمثيل بالجثث على غرار الأعمال الشنيعة لجرائم النظام، واستغلت الدولة لعبة “جر الحبل” لسحب الإعلام إلى بدايات النزوع المبالغ في العنف وأعطى مبرراته لاشمئزاز دولي استثمره النظام وتمت شيطنة الثورة منذ البداية.

شهدت سوريا ظاهرة تصفية العملاء والمخبرين المتعاونين مع النظام، وهنا برزت الجثث لأول مرة في الشوارع وتعمّقت حالة الانتقام والخوف والحذر.

توجهت الثورة تماما إلى الاقتداء بنتائج التدخل العسكري للناتو في ليبيا، وذلك ما شجع تنمية أسلوب الصراع المتعدد الواسع المتمثل في الهجوم على المعسكرات البعيدة عن دمشق والسيطرة على بعض القرى والضواحي، كان هذا مفتتحا لتدخلات عسكرية من قبل الجيش السوري وبداية حصار عدد من المدن واستخدام الأسلحة الثقيلة من المدفعية والدبابات والراجمات ودخول الطيران الحربي كعامل مؤثر في المعارك، ثم تورطت الأطراف في الإبادات والمجازر، وصولا إلى استخدام الأسلحة المحرّمة دوليا.

الصمت الدولي ونزاع المصالح وطرق التصويت في مجلس الأمن والفيتو وانقسام العالم إلى معسكرين، أطالت أمد النزاع بما أدى إلى التدمير الشامل والفقر والنزوح واللجوء على أوسع نطاق.

ما يعاب على الثوار الفاعلين المعتدلين، ثقتهم بتحرك المجتمع الدولي لنصرتهم، كان رهانا خاطئا لضعف ممثليهم السياسيين في المعارضة، المنقسمين إلى فصائل ومجموعات غير موحدة أدت إلى التبذير في الزمن بما أتاح لفصائل متطرفة دخول الساحة، واستفاد منها النظام في تقديم نموذج واقعي لمستقبل سوري فوضوي تتحكم فيه أطراف لا تحظى بالقبول الدولي أو الإقليمي.

كذلك استخدام المناطق الآمنة المزدحمة بالمدنيين، للتخفي والانطلاق في العمليات ضد الجيش النظامي، أعطى الذرائع للقصف العشوائي وتشريد المواطنين، حتى باتت كثير من أسماء المدن مجرد عناوين قديمة على الخارطة السورية.

طبيعة التشتيت بالمقاتلين شجعت النظام على الإبقاء على الأوضاع كما هي للتقليل من زخمهم القتالي وبعثرة أعدادهم، وسلب المعنويات الداعمة من أهالي المدن بإلقاء اللوم عليهم وقتالهم الذي سبب خراب بيوتهم وهدم استقرار عوائلهم وأضاع مصادر رزقهم وفاقم مأساة فقرهم وسحقهم تحت دبابات النظام. من يشاهد طوابير اليأس للحصول على لقمة الخبز يكتشف الثمن الفادح الذي قدمه الشعب السوري من حياته، إن كان في الخيام أو بصعوبة العيش في المناطق التي لم تطالها الحرب.

ثورة “الفتيش” كان من الممكن أن تكون ثورة الرئيس، بقليل من الحكم الرشيد، وحكمة التاريخ، وعبورا استثنائيا لربيع (البوعزيزي)، الذي لا يريد سوى عدالة فوق أو مع خط القانون، ورغيف خبز بكرامة، وحرية حياة دون مهانة، ماذا كان يريد الشعب السوري من زعيمه؟

الثورة السورية كان يمكن أن تكون ثورة أغان تمجّد جنة الوطن، وأرضا حرة تتسع للجميع وسماء تفرح بأصوات وألوان الفتيش.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر