الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

عن الدم والكلمات

اليوم يقتل السوريون، ويراد لهم أن يبادوا، كما الهنود الحمر، لأجل كلمتين: الحرية والكرامة. لكن القاتل فيلسوف يحاضر في أفانين الجريمة ولديه لسان يهرف بالكلمات.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2013/10/08، العدد: 9344، ص(8)]

آفة حقيقية ضربت الثقافة العربية وأصابت بعضا من ثقافة العالم خلال السنتين المنصرمتين، هي الكتابة عن الثورة السورية والآلام السورية. فمع تفاقم الوضع، بفعل القتل بلا رحمة الذي مارسه نظام الطاغية الأسد بحق شعبه، من دون أمل في رادع إقليمي أو دولي، وفي ظل عجز عربي وأممي تام عن نجدة المدنيين السوريين الذين دمرت بيوتهم وفقدوا أعضاء في أسرهم، وتحولوا إلى لاجئين هنا وهناك في سوريا المحترقة وفي أربع جهات الأرض، أو أقله الضغط على «نظام الموت» ورعاته الإقليميين والدوليين، لوقف القتل والسماح لمنظمات الإغاثة الدولية بالوصول إلى المتضررين من أعماله البربرية، لاسيما تلك التي ينفذها النظام بالطائرات الحربية والصواريخ الاستراتيجية التي لا تتوقف طلعاتها القاتلة- ليل نهار- عن قصف السوريين وتدمير كل مقومات الحياة في بلادهم.

في ظل هذا الوضع لم تلبث الأقلام القارئة والمحللة للكارثة السورية، أن تحولت إلى شاهد عاجز هو الآخر، وعجزه جلي، عن تقديم قراءة عميقة لما يجري في سوريا، فالجميع يلهث وراء الحدث. وكثيرا مما يكتب يستنسخ نفسه من كثير مما يكتب.

في بداية الثورة، ومع شروع النظام في الرد بالرصاص على التظاهرات السلمية للشارع، بدأ الكتاب والمثقفون العرب يكتبون مقالاتهم مستغربين، ومشدوهين، ثم مستنكرين ومستهولين، ثم متفجعين ومذهولين، ثم لما بلغت المسألة السورية أرض التراجيديا الإنسانية الكبرى، والفاجعة غير المسبوقة، صمت البعض منهم، فالكلمات نفسها تخلخلت وراحت تفقد قدراتها على وصف ما يجري، بعدما فقدت معانيها.

صارت الكلمات هي الأخرى عاجزة عن قراءة ما يجري، فالحادثة، على صراحة الدم، ذهبت بعيدا في التعقيد، وباتت بلاغتها المركّبة أبلغ من كل ما في ترسانة اللغة من طاقة على تفكيك الصور.

وفي عجز الكلمات عن النفاذ إلى ما وراء المشهد الدموي ووقوعها في شرك الوصف، تحول الكاتب إلى محارب أعزل، بلا سلاح.

بالمقابل، ظهرت فئة من الكتاب والمحللين، سوريين وعربا، طفقوا يكتبون بلا رأفة بأنفسهم، ولا خجل من القارئ أو خوف من التاريخ. فهؤلاء لا تأخذهم، في مدبجاتهم الطائلة رأفة لا بالكلمات، ولا بالمنطق، ولا بالقارئ. يكتبون لأن المقال يجب أن يكتب. مقتضيات المهنة. يكتبون لأن الصحيفة بياض لابد من تسويده، وإن يكن بالدم، هذه المرة، وأيا تكن النتائج، وكيفما كانت الأحوال، بينما المأساة تصنع أخبارها اليومية في مكان آخر ووفق منطق ظلَّ عصيا على الجميع.

وبين وصف ووصف، ظل عدّاد الموت ونسبة القتل اليومي هما المانشيت. لكن الواقعة المأساوية، لها وزنان، وزن عابر في الصحيفة، ووزن مروع في البشر. هذا ما يقوله قدر الضحية، ما تنطق به المصائر والأقدار لملايين السوريين المهددين بالاعتقال والتعذيب والقتل وخراب البيوت وضياع الأسر والتشرد واللجوء على أبواب المذلتين العربية والدولية.

فواجع ما يجري في سوريا، بالنسبة إلى كتابات المحللين باتت صورا مألوفة، فما كان في وقت من الأوقات مع بدايات الثورة السورية، حدثا مهولا، بات اليوم حدثا متوقعا ومنتَظرا في كل وقت. الوقائع، في نمطيتها اليومية، تحولت إلى ضرب من التجريد بالكاد يحرك الشعور، إن لم نقل إن الشعور قد تبلد تماما، بإزائه، فما كان في أول الجريمة قطرات دم يرتجف لها بدن الإنسان وكيانه، صار نهرا من الدم، يجري في أرض النسيان.

هل يقتضي هذا التحول منا مساءلة ما؟ من نسائل؟ وكيف نسائل؟ وهل هناك من جدوى، أصلا، في طرح الأسئلة ومساءلة الشهود، وقد ولغ المتورطون في دم الضحية وعجزت كل شرائع الأمم عن تجريمهم.

لا تريد كلماتي أن تدين أهل تلك الكلمات المخلصة الطيبة التي قاربت المسألة السورية في تحولاتها الدموية، وساندت السوريين الذين بذلوا ما يملكون وما لا يملكون وبذلوا فوق ذلك دماءهم الغزيرة ثمنا لتوقهم إلى الحرية، لكنها تسائل الكلمات نفسها التي مجدت حق الإنسان في الحياة، عن عجزها وفشلها في ردع الموت وحفظ حياة الإنسان، تسائل المنطق الذي انهار، تسائل العالم الذي تجمد، وتسائل مسار التاريخ وهو يتخبط أمام خيانة العالم للضحية والتواطؤ مع السفاح من وراء ظهر الضحية. كيف يمكن لفاجعة كبرى أن تنهار أمامها قدرة الكلمات- وقد غيرت الكلمات في أزمنة سابقة العالم- على إيصال الرسالة؟ كيف يعجز القاموس الذي أثرى الوجود البشري بالقيم، وتحار القراءة، ويتخبط القارئ؟ هل إن تراجيديا الحرية في سوريا هي من الغموض والغرابة إلى الحد الذي يقوِّض قلاع اللغة ومنطق الكلمات، ويسمح بعودة البربرية إلى العالم، والصعود بالسوريين جميعهم إلى الصليب، ليكونوا مجتمعين مسيح العصر وقد باعهم إلى الموت صيارفة العالم الجديد؟

«في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله»، بهذا السطر الماضي فتح الغرب الاستعماري العالم الجديد، كانت الكلمات لله، ثم صارت سيفا فاتحا بيد الإنسان الأبيض. في تلك الأزمنة استشهد محبو الغيوم والغابات والأنهار من الهنود الحمر، دفاعا عن الأرض والكلمات التي تمجد الأرض. لكنهم قتلوا وأبيدوا بسيف مرصع بالكلمات السامية.

واليوم يقتل السوريون، ويراد لهم أن يبادوا، كما الهنود الحمر، لأجل كلمتين: الحرية والكرامة. لكن القاتل فيلسوف يحاضر في أفانين الجريمة ولديه لسان يهرف بالكلمات. إنها كلمات الإنسان المسروقة من قاموس العالم. الكلمات الملوثة بالمآرب الخسيسة، الكلمات الفاجرة المكتوبة على بلطات الجريمة.

لقد أصم العالم أذنيه، وأشاح بوجهه عن مأساة السوريين، لذلك ما من كلمات، مهما كانت مخلصة ومضيئة، يمكنها أن تنقذ السوريين، ما لم تسندها القوة. قوة الكلمات تعوزها قوة الخير في الإنسان، وبأس القتال لأجل الحق الإنساني.

هل أبدو مثاليا؟ هل أبدو رومانطيقيا؟

كل ما كُتب ويُكتب في صحف الزمان وصحائفه لا يساوي صرخة رعب من طفل يواجه قدره وحيدا أمام نصل السكين، من دون أن يكون في وسعه أن يبدل في هذا القدر، بينما الكاتب يستيقظ ويتناول إفطاره ويكتب، ثم يتناول غداءه ويكتب، ثم يتناول حبّة الفاكهة بعد العشاء ويكتب، وفي اليوم التالي يستيقظ ليحصي عدد القرابين ويواصل الكتابة في وصف بارع للواقعة تلو الواقعة، والقراء يقرأون بهمة ونشاط. وبينما السوريون يجعلون من أجسادهم متاريس أمام الموت دفاعا عن حقهم في الحرية والكرامة، يضيف العالم صفحات جديدة إلى أرشيف الجريمة.

بعد نصف مليون قتيل ومفقود ومعتقل و7 ملايين مشرَّد في الجغرافية السورية وجغرافيات الجوار والعالم: تبا لهذه البشرية البائسة.

شاعر سوري

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر