السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

عندليب السخرية الباكية

كثير من الفنانين صوّروا الحروب على الجدران غير أن جان مارك استخدم الجدار ليس كمسطح يُرسم عليه مثله كمثل الورق أو القماش بل وظّفه كشاهد يشهد عن هول المهزلة التي يعيشها الإنسان.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/07/02، العدد: 9966، ص(16)]

قبل أيام من اندلاع حرب يوليو في لبنان، وفي المركز الثقافي الفرنسي، كنت أعلق لوحاتي تحضيرا لمعرض يحمل عنوان “التفاحة الصفراء” ويتناول “مصير” شعب المنطقة العربية من خلال أسواق الخضار.

هناك، التقيت بالفنان جان مارك نحاس، كان يرتب لوحاته بعد انتهاء معرضه، عرفته لحظة رؤية لوحاته التي تحمل بصماته عميقا في مساماتها. وددت كثيرا أن أتكلم معه ولكنني كنت مترددة، إذ كنت قد سمعت أنه فنان “غير اجتماعي” ولاذع في كلماته. حاولت أن أنهمك في شؤوني الخاصة حين اقترب فجأة مني وبدأ يتفرج على لوحاتي. أحسست بإحراج وودت أن لا يتفوه بأي كلمة.

بعد صمت دام لحظات وتجاهل شبه كامل من ناحيتي نطق الفنان بكلمات لم أنسها ولا تزال تكتسب رونقا مضاعفا كلما مرّ الزمان، قال “نزيل لوحات ونضع غيرها على الجدران، ما بنا نعرض جراحنا؟”. ضحك وأضاف “فلنجد إبرا سحرية نخيط بها جراحنا بدل أن نعلقها، ولن نفعل! هههه يا له من أمر مضحك حتى الدموع!”.

بدأ الحديث بيننا ثم أخبرني كيف أن مرسمه احترق في الحرب، وأنه سوف يظل يرسم حتى لو احترق مجددا. قال “أريد أن أروّض الوحش الذي لا يروّض”. بالنسبة إليه، أي إلى الفنان، الوحش هو الأزمة اللبنانية.

أضاف “الحرب ضرورية من أجل استمرار هذا البلد ألا تعرفين ذلك؟ لذا يجب مغازلتها بزيف متقن ولكن الأهم من ذلك، هو أخذ الحذر منها خاصة عندما تتزين بأبهى ألوانها”.

قلت له يومها إنني أحب الألوان في اللوحات، أجابني بسخرية “مرحبا ألوان! لا يستهويني إلّا الأسود والأبيض”.

لونان لا يزالان يسكنان فنّ جان مارك نحاس المشبع بالسخرية من الذات، والطبيعة البشرية والحروب والنهايات في كل صورها. ما برح الأسود هو اللون المسيطر الذي يسمح للألوان الأخرى أن تدخل عوالم لوحاته المشحونة بسوداوية، لا تريد أن يجفّ ماؤها ولا أن تغادر منطق السردي الذي يرافقها.

سردية تحكي عن هول الأشياء بأسلوب كاريكاتوري، يجعل المشاهد يبتسم في عين الجرح المفتوح أمامه، خاصة حينما يكون جرحه هو.

لوحاته أفخاخ يصعب الإفلات منها، لأن الفنان بارع في غزل وربط الخطوط المرسومة قبل أن يعقدها في نقطة مركزية واحدة، لا تبقى كذلك إلاّ إلى حين، مثل الألعاب الأفعوانية في مدينة الملاهي حبث تعود خطوطه المتداخلة إلى الصول والجول في أرض الفجيعة التي ترفض أن تظهر وتسمى بغير: اللامبالاة.

كثير من الفنانين صوّروا الحروب على الجدران، غير أن جان مارك استخدم الجدار ليس كمسطح يُرسم عليه مثله كمثل الورق أو القماش، بل وظّفه كشاهد يشهد عن هول المهزلة التي يعيشها الإنسان، وخاصة في المنطقة العربية قبل بداية سقوط الأنظمة “الطغيانية”.

للمفارقة أنه بعد لقائنا، اندلعت الحرب الإسرائيلية، حينها وجدت صعوبة جمّة في استرجاع أعمالي بناء على طلب أصحاب الصالة، عدت إلى الصالة وجدتها مليئة بالجنود الفرنسيين وأمتعتهم.

يومها حضر إلى ذهني كلام جان مارك نحاس، مشهد “الصبابيط” العسكرية المنتشرة كان مضحكا، ولكنه كان مخيفا، أما مشهد لوحاتي وعلى الأخص تلك التي تظهر فيها “جزرة” عملاقة على باب مطبخ تنتظر لحظة الشواء، فقد بدا مخيفا جدا ولم يعد محاولة تلميح إلى القتل العادي جدا.

على الرغم من هذا الخوف تملكني شعور عميق بالخفة اقشعر له بدني، فاللوحات بدت وكأنها جزء مرتبط عضويا بالفوضى العسكرية القائمة في الصالة تحت ضغط الطارئ- المعلوم في منطقة عربية تعايشت مع الموت دون أن تحذره، أسوة بنصيحة جان مارك نحاس. ها أنا أخاطر “لأزيل لوحات لأعود وأعلق غيرها في فصل آخر من فصول الحرب اللبنانية متنوعة الأشكال”.

تساءلت لحظتها، قبل أن ألقي نظرة سريعة على تلك التي من المفترض أن تكون صالة فنية: ما بالنا نعرض جراحنا بدل أن نبحث عن إبرة سحرية نخيطها بها لتندمل أو لا تندمل؟ يا له من أمر مضحك حتى الجنون.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر