الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

حرب الأخوة وعرس الدم

لا مفر من الذهاب لبعضنا، والاعتذار لتاريخنا وشجرة العائلة، عراقية الأعراق والمصير، أما الآتي من خارج الحدود، فذلك أمر أقل شأنا ومعالجته أسهل بكثير من حرب الأخوة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/07/04، العدد: 9968، ص(9)]

تنتهي الحروب عادة بالمفاوضات، تكون أحيانا عسيرة وشاقة، تطول أو تقصر، لكنها في النهاية تمثل الواقع الميداني للصراع، ويشمل هذا كافة أنواع الصدامات بين الدول أو الحروب الأهلية، وصولا إلى الخصام حتى بين الزوج وزوجته.

بعد العبث والموت والخسائر، يتم الاحتكام إلى أطراف أخرى، وتُبذَل المساعي وتؤلَف طواقم التحكيم والاستضافة، تبدأ مرتبكة ومتشنجة وحذرة، ثم تنفتح إلى تبادل وجهات النظر لواقع آخر، وبعد سنوات من تبادل القتل ربما تنشأ أطيب العلاقات الدبلوماسية والاجتماعية والاقتصادية.

تاريخ العالم القديم والحديث مليء بتجارب ونماذج يمكن البناء عليها لإنهاء الأزمات الشائكة، تأتي مراحل زمنية يظن الناس وقادتهم أن الطريق أغلق تماما وأن لا مجال أبدا لأي أمل في إصلاح ذات البين.

التعقيد الأكثر إيغالا في التشاؤم، الحروب الأهلية، لأنها من الداخل وهي أخطر أنواع النزاعات، من أمثلتها، الحرب الأهلية الأميركية وسميت أيضا بحرب الشمال والجنوب، وقعت قبل ما يقارب 150 عاما، ملخصها بتبسيط ما يشبه النزاع بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي أدت إلى انفصال عدد من الولايات، بعد أربعة أعوام تغيرت موازين القوى واستسلم طرف منهما في نهاية الأمر، لتبدأ أميركا التي نعرفها اليوم، كُتبت عن الحرب أعمال أدبية خالدة، أهمها رواية “مارغريت ميتشيل” ذهب مع الريح، تحولت في 1939 إلى أشهر الأفلام السينمائية، عن فداحة الحرب على المستوى الإنساني وتفسخ العقد الاجتماعي بين البشر، وأهمية الكفاح لإرساء قواعد السلم الأهلي والتطلع إلى الغد بعين واعدة، كي لا تتكرر المأساة وتتبعثر الحياة في مهب الرياح العاتية حيث لا يتبقى منها سوى الألم.

الحرب الأسبانية، مثال أقرب، حرب شرسة بين الجمهوريين والقوميين، حصدت الآلاف من البشر، الفنانون ضحاياها والأدباء وإعلام البلد المعروف بتاريخه وثقافته ومنهم الشاعر الأندلسي “لوركا” الشهير بمسرحية “عرس الدم”، وساهم فيها الكثيرون من خارج أسبانيا، إحساسا منهم بأنها معركتهم المصيرية ضد الأيديولوجيات اليمينية المتطرفة، والكاتب الأميركي “همنغواي” أحدهم وكتب مستوحيا منها روايته “لمن تقرع الأجراس” ولخصها الرسام “بيكاسو” في لوحته “الغورنيكا” وهو اسم لقرية أسبانية صغيرة في إقليم الباسك، مشبها الحرب الأهلية بإنسان يمزق جسده بيديه.

الحرب الأهلية الأسبانية كانت “بروفة” للحرب العالمية الثانية، لأنها حرب بالنيابة أيضا، مثل معظم الحروب في منطقتنا اليوم، مولتها ألمانيا الفاشية من جهة وقابلها الاتحاد السوفيتي من جهة أخرى.

أفريقيا شهدت حروبا، مستمرة إلى حد الآن وارتكبت فيها الفظائع لكنها في معظم الأحيان، اي الحروب، تضع أوزارها على لا شيء سوى الخراب والكراهية.

الحرب اللبنانية في السبعينات انتهت على طاولة مفاوضات في مدينة الطائف، الحرب الفيتنامية الأميركية ترافقت فيها الحرب مع المفاوضات في توقيت واحد وكانت من أصعب طاولات الحوار.

العراق أيضا وبعد حرب استمرت 8 سنوات مع إيران، تم الإعلان عن وقف إطلاق النار، وكنت شخصيا جنديا في الجبهات، لم نكن نصدق نحن الجنود أن الحرب انتهت لأنها كانت من الحروب المنسية، لكنها انتهت، وبدأت المفاوضات بين الجانبين.

نتمعن في الواقع العراقي، نجده غارقا في اليأس وروح الاستسلام لما يمكن ان يوصف باللاحل لأزماته الداخلية، وسوء النخبة السياسية الفاسدة القريبة من سلوكيات تجار الحروب ومافيات العوائل والأحزاب الساندة لها، والكل يشتركون في فوضى قاصِرة النظر عن تلمس نهايات الخلاص.

يتزايد الحماس قبل كل حرب، دبكات وأهازيج تمجد الوطن والانتقام، خطب نارية، حرب في الإعلام، قطيعة دبلوماسية وتتدحرج المواقف إلى المناوشات العسكرية تليها المواجهات المباشرة ويبدأ الحصاد البشري، ويتعنت الزعماء تجاه الوساطات الدولية ويرتفع ضغط الدم إلى أن يحين موعد الاستسلام لحتمية القبول بوقف الحرب ويقدم الطرفان التنازلات ليعم السلام بعد دفع فاتورة الضحايا والفقر والديون المتراكمة.

لماذا لا تتعظ الدول مقدما قبل الانزلاق إلى الحروب الأهلية، أو الحروب عبر الحدود؟ وهي تعلم نتائجها المدمرة وما يترتب عليها، فمن حرب الحاكم مع شعبه، إلى حرب الأخ مع اخيه داخل الوطن الواحد، إلى حرب الاختلافات المذهبية والطائفية، وحرب الأديان والأحزاب والمصالح وحب اغتنام الفرص، جميعها حروب تنتهي إلى فترات حداد طويلة على ضياع الحياة والتقدم والأعمار والتنمية.

تجربة العراق ونزيف السنوات والدم والأموال ونتائج أكثر من نصف قرن، تتيح لنا الآن الوقوف على أخطر مسبباتها، بعد أن نتفادى الخوض في النيات الخارجية والمؤامرات الدولية ومصالح الاقتصاد التي تأثرت بتأميم النفط أو بالتعاطي مع التكنولوجيا النووية والهجوم الإسرائيلي على مفاعل تموز، وطبيعة الشخصيات الحاكمة في العراق، نضع ذلك كله في سجل طبائع الاستبداد للدول أو للحاكم، لكن ما لا يغتفر من أخطاء يقع على الشعب ونسيجه المتنوع، المتعايش عبر مئات السنين، كيف سمح لنفسه أن يتجاوز حقيقة معرفته، أنه الأساس الذي تمر عليه المحن دون أن تنال منه، لأنه يدرك حتى في زمن الدكتاتوريات والأمراض النفسية للساسة، أنه في مجموعه يعبر عن ثبات حركته وهيئة صورته أمام العالم وأيضا أمام سلالاته المتتابعة.

ما أستغربه أن وطنا مثل العراق يعتز بأرومته ويهتم بتدوين شجرة أنسابه ويدقق فيها ويتفاخر برموزها، ينقاد إلى سوء فهم ينال منه لغايات لا يرتبط بها أو لا ينتسب إلى جذورها وليست من وجدانه العام.

متى ندرك أن مساوئ تعقيدات ما بعد الاحتلال، خصال وافدة وراحلة وحسابها الزمني قصير ولا يحمل جينات المستقبل؟

أسوأ الحروب وأقساها تنتهي في لحظة الحقيقة، وانهيار العناد والكبرياء المزيف لقادة الفتن والتعصب. لا مفر من الذهاب لبعضنا، والاعتذار لتاريخنا وشجرة العائلة، عراقية الأعراق والمصير، أما الآتي من خارج الحدود، فذلك أمر أقل شأنا ومعالجته أسهل بكثير من حرب الأخوة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر