الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

أن تمشي هناك على تلك الأرض

لم تمضِ أيام إلا وكنت أحلم أني أتسلل إلى فلسطين، واقتربت من شارع ضيق متجه إلى القلعة، وانقطع الحلم دون أن أشاهدها.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2015/07/05، العدد: 9969، ص(11)]

كثيرة هي الأحلام التي أيقظتني حين أصل إلى اللحظة التي أكون فيها في فلسطين، وبخاصة بعد رحلتي إلى الحمة ورؤية سمخ من بعيد. حجم المكبوت لا أعرفه بدقة. لكن الأحلام التي أذكرها هي أحلام متعلقة بفلسطين.

فمنذ تلقيت الدعوة وأنا أهجس برؤية فلسطين. ومن خلال وصف والدي “للبوابة” وهي اسم البيت الكبيرة لآل البرقاوي في ذنابة ومخيلتي تحاول أن ترسم صورة للبيت الكبير.

تخيّلت البيت على تلة عالية ذا بوابة كبيرة، وداخلها مجموعة من البيوت الحجرية الكبيرة ثم وجود سور عالٍ. الصورة التي تخيلتها هي كما قلت من وحي وصف أبي.

قبل أن تُفعّل خدمة الإنترنت في سوريا بزمن، طلبت من صديقي الدكتور إياد البرغوثي أن يصوّر لي بيتنا في ذنابة ويرسله إليّ مع أيّ أحد قادم إلى دمشق.

لم تمضِ أشهر حتى تسلمت منه ومن الدكتور الصديق عبدعساف مجموعة من الصور لبيتنا. كانت فرحتي بالصور كبيرة جدا، كانت الصورة قريبة مما تخيلته لكنها كانت أغنى بكثير، ولقد لفت نظري في الصور بيتنا بشكل خاص حيث مازال صالحا للسكن، وهو مؤلف من طابقين من الحجر، وفن عمارته من العقود المعروفة. وهناك صورة لبيت كبير جدا شبه مهدم ولم أستطع الربط بين الصورتين.

مضت السنون وراح الإنترنت يختصر المسافات، ها هي شاشة الكمبيوتر تريني كل قصور البرقاوي في منطقة طولكرم. بيت ضخم في كفر اللبد قلعة ضخمة في شوفة قلعة ضخمة في ذنابة.

على شاشة الكومبيوتر تشاهد: بيت نسيم برقاوي، بيت حسين برقاوي، بيت عقاب برقاوي، بيت إبراهيم البرقاوي، قلعة البرقاوي، قصر البرقاوي، قلعة شوفة، إلخ…

أنسخ صورة للقسم الخاص بأبي في البوابة الكبيرة، بيت من طابقين كما قلت وأضعها تحت زجاج طاولتي في قسم الفلسفة وكلما زارني أحد سرعان ما أقول له: انظر هذا بيتنا في فلسطين. أتأمل ما أنا عليه من فرح وانتماء، فرح بالبيت الذي مازال أسمه بيت نسيم برقاوي، والدي. بيت تاريخي، بيت أنا مالكه، تأملي بهذه التجربة الذاتية مع البيت هناك في ذنابة أو في شوفة أو في كفر اللبد يؤكد أمرا كتبت عنه في “أنطولوجيا الذات” حول الذات والبيت، حيث البيت هو الرحم، كان لسان حالي يقول كل البيوت التي سكنتها سواء كنت مالكا أو ليس مالكا ليست بيوت حقيقية، لأنها ليست البيت الأصلي، البيت الأصلي هو البيت الحقيقي لأنه في المكان الحقيقي، فلسطين، وكل البيوت الأخرى أشباح.

أنا أملك بيتا في دمشق العاصمة الأقدم والأجمل، لم أشعر يوما بعلاقة حميمية معه. فباستطاعتي أن أبيعه دون أيّ إحساس بالذنب. لكني استشطت غضبا عندما قرأت على الإنترنت إعلانا يقول: البيوت التاريخية في فلسطين. بيت نسيم برقاوي مؤلف من طابقين، صالح للسكن يمكن لأيّ مؤسسة فلسطينية تراثية أن تستخدمه.

وسرعان ما كتبت رسالة على الإنترنت هذا بيتي أرجو أن لا يمسّه أحد، أنا عائد لأعيش فيه. علاقتي بالبيت في ذنابة تحمل أكثر من معنى، تحمل معنى أني حين أعود إلى فلسطين سأجد أمامي الرحم الحميم، معنى أني مرتبط بالوطن، فلسطين.

تخطيط: ساي سرحان

يعني أني أملك المكان الدائم والزمان الدائم في لحظة ما، وبالتالي التعلق بالبيت هو التعلق بفلسطين البيت الأكبر، كم أشعر بالقوة وأنا أتأمل كل يوم بيتي الذي أصبح صورة دائمة على طاولتي، البيت المطلّ على العالم صار المكان الذي أطلّ منه على الوجود.

عندما أردّد لكل زائر: هذا بيتي، فإنما لأؤكد أن هذا بيتي الحقيقي، ليست المسألة اعتدادا بتاريخ من السلطة الذي يمثله هذا البيت والبيوتات الأخرى بل اعتدادا بالجذر العميق، اعتدادا ببيوت تعود لمئات السنين.

في أحد المساءات فتحت محطة تلفزيون فلسطين وشاءت المصادفة أن يكون البرنامج عن قلعة البرقاوي في شوفة، أعرف تاريخ هذه القلعة لكني لا أعرف شكلها إلا عن طريق الإنترنت، لقد اصطحبنا البرنامج إلى القلعة وتاريخها وشيوخها فهي قلعة أحد الجدود الأوائل، قلعة الشيخ ناصر البرقاوي.

لم تمضِ أيام إلا وكنت أحلم أني أتسلل إلى فلسطين، واقتربت من شارع ضيق متجه إلى القلعة، وانقطع الحلم دون أن أشاهدها.

في يوم الخميس الموافق لـ29 مارس 2012 رن جرس الهاتف صباحا. دكتور أحمد، صباح الخير، أنا أمل شاهين، مباركة الرحلة إلى فلسطين، ستكون في الثامن من شهر أبريل، والأمور جميعها في غاية الترتيب هنا في سوريا وهناك في فلسطين، في الثامن من أبريل سينطلق الباص من المخيم في الساعة الثالثة صباحا إن شئت الذهاب مع الوفد، أو إذا أردت يمكنك الذهاب بمفردك إلى عمان.

صمتُّ صمتا مريعا ومضى وقت على صمتي قبل أن أنتبه إلى محدثتي:

إلى فلسطين!.. أجبت.

نعم إلى فلسطين.. قالت أمل.

أغلقت الهاتف ورحت في شرود طويل بين مصدّق ومكذب، أتراني فعلا سأكون بعد أيام قليلة على أرض فلسطين، هل سأفتح باب بيتنا وأجلس فيه، بعد إحدى وستين سنة من مولدي في الغربة، سأذهب إلى فلسطين، فلسطين المحتلة من قبل اليهود.

بعد إحدى وستين عاما ونيف سأذهب إلى طولكم، سأذهب في الشهر نفسه الذي ولدت فيه، في أبريل. أية مصادفة جميلة هذه؟ لقد خالجني شعور بالحزن، بالفرح، بالتوتر، بالقلق، بالشك في الحالة نفسها، فأنا بين مصدّق ومكذب.

كان السؤال الأول الذي طرحته على نفسي: هب أني سافرت إلى الضفة الغربية فكيف لي أن أعود منها وأتركها؟

كل همي، الآن، أن أمشي في شوارع رام الله وبيت لحم ونابلس وقلقيلية وجنين والخليل… أن أشرب من ماء فلسطين، وأتنفس هواء فلسطين، هم في وادٍ وأنا في واد آخر. وبعد وقت لم أعد أحسبه مشيت على تلك الأرض، ها أنا أمشي على تلك الأرض.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر