السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

العراق: من خارجية 'الأكراد' إلى خارجية 'الشيعة'

ازدواجية المواقف وتقلبها تتحكم في سياسة وزارة الخارجية العراقية، إضافة إلى غياب الدفاع عن مصالح العراق الحيوية.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/07/06، العدد: 9970، ص(9)]

تقاس سمعة الدول ومكانتها وهيبتها بوزارات خارجيتها فهي مرآة الدولة المدنية الحديثة المستقلة، وهذا ما لم يتحقق في العراق منذ عام 2003، حيث خضع هذا البلد لاحتلال عسكري حجب عنه السيادة والاستقلال، بعد حل جميع مؤسسات الدولة العريقة ومن بينها وزارة الخارجية، وأشرف الحاكم بول بريمر شخصيا على إعادة بنائها على أساس طائفي، ومنح الكردي هوشيار زيباري قيادتها التي استمرت عشر سنوات. وفي عام 2014 تولى مسؤوليتها إبراهيم الأشيقر (الجعفري) الذي ترك موقع قيادة التحالف الشيعي لصالح هذا المنصب المهم.

وخلال جميع السنوات الإثنتي عشرة الماضية، وبسبب العوامل السياسية والإدارية التقنية غابت مكانة العراق عربيا وإقليميا ودوليا. ففي ظل الاحتلال امتنعت الدول عن فتح بعثات دبلوماسية لها في بغداد، ما عدا دول التحالف الغربية والدولة المحتلة أميركا التي بنت في بغداد أكبر سفارة لها في العالم، وكذلك إيران، وسارت عمليات التمثيل الدبلوماسي العربي ببطء وحذر شديدين، خصوصا بعد إعلان هوية طائفية لا عربية للعراق.

ولم تسلم الدول العربية، خصوصا دول الخليج، من حملات منظمة تديرها الأحزاب الشيعية تنعكس على فعاليات وزارة الخارجية، وكان المفروض أن يكون احتلال داعش للعراق فرصة للمراجعة وبناء سياسة رصينة مع بلدان الخليج والعرب. لكن سياسة ازدواجية المواقف وتقلبها هي المتحكمة، إضافة إلى غياب الدفاع عن مصالح العراق الحيوية. والأمثلة كثيرة، مرة وصف النظام السوري بأنه متآمر يرسل أفواج الارهابيين بعد عملية تفجير مقر وزارة الخارجية ببغداد، ورفعت حكومة نوري المالكي شكوى إلى الأمم المتحدة ضده، ثم يتحول إلى حليف تُهدى له أفواج الميليشيات لقتل أبناء الشعب السوري.

وزير خارجية العراق ينحاز إلى الكويت في مسعاها بناء ميناء “مبارك” الذي يغلق المنفذ البحري الوحيد بوجه العراق، وإيران تحتل حقل “الفكة” النفطي ولا تحتج الحكومة العراقية على ذلك، ثم تقطع المياه فعليا عن العراق وتعلن ذلك رسميا، في حين تعقد الحكومة صفقات بالمليارات معها. ويصدر تعليق خجول وليس احتجاجا رسميا لوزير الخارجية على إعلان مستشار الرئيس الايراني اعتبار بغداد عاصمة الإمبراطورية الفارسية، لكن الخارجية العراقية تحتج دبلوماسيا وتستدعي السفير المصري ضد شيخ الأزهر، لأنه دافع عن العرب السنة في العراق مستنكرا جرائم الميليشيات ضدهم، والجميع يعرف بأن الأزهر مؤسسة مستقلة لا علاقة لها بالدولة. وحين تُرشح السعودية سفيرا لها كان ملحقا عسكريا في لبنان، ومكروه من حزب الله، تشن حملة إعلامية إيرانية عراقية مكثفة ضد ترشيحه.

وأخيرا، وليس آخرا، تتبنى خارجية نظام بغداد موقف تضامن طائفي بعيد عن الأعراف الدبلوماسية وتحتج ببيان رسمي ضد قرار حكم قضائي على مواطن بحريني (شيعي) مدان مما استدعى حكومات دول الخليج للاحتجاج على تلك السياسة بشدة، في حين تنتظر قوافل المعتقلين في العراق تنفيذ أحكام الإعدام لأسباب طائفية محضة. والقائمة تطول في تخبط وازدواجية السياسة الخارجية لحكومة بغداد.

أما على مستوى منظومات العمل في الوزارة، فقبل حصول انهيار الدولة عام 2003 احتضنت الخارجية عبر تاريخها كوادر لامعة ذات سمعة دبلوماسية دولية عالية لا مجال لسرد أسمائها، أما بعد الاحتلال فالقصة طويلة، وأمثلتها مهينة لا تعد ولا تحصى، حيث زحف الفساد المتوحش داخل هذا المفصل الحيوي خصوصا في مجال إعداد الكوادر الدبلوماسية ابتداء من السفير وحتى آخر سلم الوظائف الدبلوماسية، في تحد سافر ومخجل لقانون الخدمة الخارجية النافذ الذي ينظم عمليات قبول الموظفين وشروط التحصيل الدراسي (السياسي)، ففي مجال السفراء مثلا تتم التعيينات ليس على أساس الكفاءة والمقدرة، وإنما وفق المحاصصة الطائفية توزع خلالها المواقع الجغرافية في العالم وفق حصص الأحزاب الشيعية الحاكمة وعلى أساس الولاء والمحسوبيات. وهناك سفراء لا يمتلكون شهادات جامعية، وخبرتهم الوحيدة الولاء أو الانتماء للأحزاب الشيعية الحاكمة.

وكشفت الوثائق المتداولة وجود سفراء يحملون شهادات مزورة إلى جانب 175 موظفا مزورا لشهادته في سلك الخارجية. إضافة إلى ازدواج الجنسية، فهناك سفراء يعينون في بلدان منحتهم اللجوء والجنسية فلمن يكون ولاؤهم؟ وانتهك قانون الفصل السياسي الذي شرع بعد عام 2003 لإنصاف من عارض النظام السابق، حيث تم مثلا إعادة سفير لم تكن وظيفته الأخيرة حين الفصل بعنوان سفير وإنما كان عونا إداريا، في حين حرم سفراء آخرون من حق التقاعد مع إنهم مفصولون سياسيا.

وتنقل وسائل التواصل الاجتماعي أخيرا قائمات لتعيينات جديدة حلّت محل ما سمي بخارجية “الأكراد” لتحل محلها ما تسمي بـ”خارجية الشيعة” تحوي تلك القائمات أسماء لأبناء وأقارب المسؤولين، دون اعتبار لشروط الكفاءة والشهادة والخبرة واللغة. ووفق قانون الخدمة الخارجية الزوجة تصاحب زوجها، لكن الحاصل يتم تعيين الزوج في دولة وزوجته في دولة ثانية.

في خارجية بغداد تحرق مراحل إعداد الدبلوماسي وترقيته التي تمتد لسنتين حيث تصبح شهرين، والسكرتير الثالث يقفز إلى سكرتير أول مباشرة، والسفارات تعج بجيوش الموظفين الفائضين عن الحاجة. في حين كانت سفارات العراق قبل عام 2003 خصوصا في ظل الحصار يطلق عليها “ثلاثية” أي بثلاثة موظفين فقط، ما عدا واشنطن ولندن وباريس. ورواتب الخدم والمنظفين في مسكن السفير مثلا، كان يدفعها السفير من جيبه الخاص لعدم منحه مخصصات خاصة مثلما يحصل اليوم.

هناك هدر متعمد لأموال العراق، حيث يذكر، وهو مثال من بين المئات، أن بناية سفارة العراق في بولونيا مملوكة للعراق، لكن يتم تأجير بناية أخرى بحجة قدم البناية الحالية بمبلغ عشرين ألف دولار شهريا ويتم الصرف والدولة على حافة الإفلاس. والأمثلة تطول، ولا يتوقع أن تنهض الخارجية العراقية بمسؤولياتها إلا بعد أن يتم إصلاح سياسي جذري في هذا البلد.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر