الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الأحذية التي تقذفها اللوحات في وجوه الطغاة

الرمز يصيب.. والتأويل يصمد بقوة من يصنع المعاني ويتلقاها، وهو حاليا شعب عربي بأكمله ينتعل حذاء منتظر الزيدي وحذاء ذكرى العراسي.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/07/09، العدد: 9973، ص(16)]

أمام أعين العالم أرسلت الصحفية والناشطة اليمنية ذكرى العراسي لرئيس وفد الحوثيين في جنيف، لوحة تجريدية متحركة قوامها حذاء، وهو رمز، مثل أي رمز يمثل كيان أي لوحة تجريدية عصيّ على فنانها تجسيد الواقع الجارح حرفيا، فتبنى التحايل على منطق البوح الفجّ لصالح الترميز والتلميح.

من خلال هذا الحذاء-الرمز فتحت العراسي باب تأويل ماهية الحذاء وفعل رشقه عن سابق إصرار وتصميم. حذاء ذكرى العراسي لا يختلف كثيرا عن حذاء الفنان التشكيلي فانسان فان غوغ الذي رسمه في ثماني لوحات، تأخذ المشاهد إلى عدة تأويلات نفسية واجتماعية خارج محدودية كونه مجرّد حذاء مستعمل اشتراه من أحد الفلاحين.

ويعتبر مارتن هايدغر أن حذاء فنسان فان غوغ ليس حذاء بقدر ما هو سرد لوعورة وتعرج الدروب التي قطعها الفنان خلال نهار عاصف مشيا على الأقدام.

هو أيضا إحالة إلى التردي الاجتماعي والفقر المدقع الذي عاشه الفلاح آنذاك. واعتبر الفيلسوف في كتابه الأول عن الفن “مرجعية العمل الفني”، حيث اتخذ لوحات فان غوغ كمثل بارز، أن الفنان الذي رسم الحذاء لا يريد أن يرينا الحذاء كشيء، بل ما يحيل إليه من “حقيقة”، وهي القيمة الفعلية للعمل الفني.

حذاء الصحفية اليمنية هو أيضا، في خضم الجنون الذي يعيشه اليمن، ليس حذاء بل رسالة. هو إحالة شديدة اللهجة إلى مشاعر الاحتقار التي لا تكنها هي فقط، بل يكنها الشعب اليمني للحوثيين الذين أشعلوا النار وقتلوا وشرّدوا.

أما فعل رشقه فلا يقل ترميزا إلى صداميته التي لا يحول بينها وبين الهدف أي وساطة أو تردد. لولا شدة وطأة هذا الرمز الذي لم يصب حتى هدفه لما فجّر منزل الصحفية.

حذاء تقول فيه الصحفية “لن أبيع هذا الحذاء الذي ضربت به الحوثي، وإن عرضت عليّ كنوز الدنيا”. الثمن البخس لفردة حذاء مستعمل ارتفع بشكل خيالي وكثر الراغبون في اقتنائه، إسوة بالحذاء الذي رماه الصحفي منتظر الزيدي على بوش أثناء زيارته الأخيرة للعراق، فبلغ سعره 10 آلاف دولار، ثم “خُلد” بعد ذلك في عمل نحتي معدني وسط مدينة تكريت العراقية.

الحذاء، الذي اعتقل الزيدي وكسرت ذراعه بسببه، رافقت رحلة تأويله وعمّقتها كلمات نطق بها الصحفي أثناء رميه للحذاء إذ قال “هذه قبلة الوداع من الشعب العراقي أيها الكلب الغبي”، ثم قال وهو يُلقي بفردة الحذاء الأخرى “وهذه من الأرامل والأيتام والأشخاص الذين قتلتهم في العراق”.

إنه إذن، الحذاء-القبلة الحافل بفكاهة سوداء شديدة البصرية، بالرغم من استحالته واقعا وحسيا.. إنها القبلة الأشد حضورا من غيابها لأنها في عين التأويل المشتهى.

يذكرنا حذاء منتظر الزيدي وحذاء ذكرى العراسي وكل الأحذية الملقاة، ليس على الحكام المجرمين فحسب، بل على نصبهم التذكارية المكثفة رمزيا والتي تظهر غالبا محاطة بحشود من المناصرين والمعجبين، بلوحة أخرى للفنان السوريالي روني ماغريت والتي تحمل اسم “زوج حذاء”.

لوحة ماغريت مُقلقة ومثيرة للحيرة، إذ تُظهر جلد الحذاء وكأنه القدم التي تنتعله، أما مقدمة الحذاء فما هي إلاّ أصابع أرجل بشرية ازرقت أظافرها.

الرمز يصيب.. والتأويل يصمد بقوة من يصنع المعاني ويتلقاها، وهو حاليا شعب عربي بأكمله ينتعل حذاء منتظر الزيدي وحذاء ذكرى العراسي.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر