الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

وهم سنّي لتجديد العملية السياسية في العراق

أي محاولة تجديدية تستهدف صيغة تبعية الكتلة السنية للقوى الشيعية، ستكون بمثابة دعم إستراتيجي لمشروع التجديد القادم داخل البيت الشيعي الذي يتوقع أن يقوده الحشد الشعبي.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/07/13، العدد: 9977، ص(9)]

يبدو أن منتسبي العملية السياسية، من الشيعة أو السنّة، وصلوا أخيرا إلى قناعة بأن بنيانها قد تآكل من الداخل ونخره سوس الفساد والطائفية، وأن الفضاء السياسي خلف أسوار المنطقة الخضراء في بغداد يبدو إليهم خاليا من مفاجآت “الانقلاب العسكري” أو “الثورة الشعبية” رغم وجود الفراغ، لأن هناك حصانة هندستها ديمقراطية الاحتلال بواسطة الحاكم بول بريمر منعت تلك الاحتمالات. والشعور بأنه لا توجد قوى وطنية قادرة على التغيير، بعد تسيّد المال السياسي على العمليات الانتخابية، رغم أن الشعب إذا تفاقم ظلمه قد يفاجئ الجميع.

ومن هنا فالمحركون للعملية السياسية، محليا وإقليميا ودوليا، يجدون أنفسهم أمام خيارات قد تطيح ببعض رؤوس الديناصورات التي شاخت وشبعت بطونها، وإتاحة الفرصة لدماء جديدة تقدم نفسها داخل حدود قواعد هيمنة “التحالف الشيعي”. وهذا ما يبدو عليه الحال من قراءات دقيقة للمشهد، وكأن داعش يساهم، إلى حد كبير، في التعجيل بهذا السيناريو الذي سيعمق كارثة العراق، هناك علامات للتفاؤل تبدو على وجوه بعض رموز التغيير المتوقع من داخل الجبهة السنّية أخذت تعلن عن نفسها، وتعطي الانطباع بأنها حصلت على تطمينات لخوض المغامرة الجديدة.

على الجبهة الشيعية عنوان التغيير المقبل سيتم على أيدي قادة “الحشد الشيعي” الحاملين لمشروع التشدد الطائفي. أما في الجبهة السنّية، فقادة ما يطلقون على أنفسهم “أصحاب المشروع التجديدي للعملية السياسية” واثقون من محاولاتهم تلك، وقد وجدوا أنفسهم في غمرة الخيال بعد قيامهم بحركة علاقات إقليمية وعربية ودولية، وهم ما زالوا مستجدين في السياسة لكن مواقعهم الرسمية التي حصلوا عليها وفق المحاصصة الطائفية وترشيح كتلتهم السنّية هي التي وفرت لهم هذه الفرصة، فتبهرهم لقاءات قادة كبار في العالم لم يحلموا يوما بتحقيقها، مثل رئيس الولايات المتحدة الأميركية راعية العملية السياسية في العراق. فقبلهم آخرون امتلكوا هذه الفرصة وما زال آخرون متمتعين بها، لكنها ليست كافية لتحقيق الأهداف الصعبة في عراق مشكلته معقدة وصعبة.

قد تكون نيات هؤلاء طيبة، وقد يتمتعون بهامش من النظافة المادية الشخصية قياسا بزملائهم، ويمتلكون حماسة، لكن السياسة لا تتعاطى بالنيات الطيبة، لأن “مشروع التجديد” الذي يتحدثون حوله لا يخرج عن مشهد العملية السياسية الميتة سريريا. ولعل من بين وسائل حقن الإنعاش إعطاء دور مقنن لأحد رموز السنّة (الموظف داخل العملية السياسية) ويبدو أن لديه استعدادات للمغامرة الشبابية، وبنى جسره للوصول عبر ماضيه الشعبوي المعارض أو المقاوم ثم قطع ذلك الجسر، وأصبح جزءا من العملية السياسية، ولديه استعدادات للتضحية بمن حوله ممن رشحوه، وقد يكون ذلك واحدا من وسائل تفتيت هذه الكتلة.

إضافة إلى أن جميع الفقرات التفصيلية لهذه المحاولة لا تخرج عن إطار المطالبات التقليدية بعدم إيفاء “التحالف الشيعي” وممثله رئيس الوزراء بتعهدات الاتفاق، وهي معروفة لا داعي لذكرها. علما أن عدم الإيفاء ليس خللا إداريا مرّ عليه عام (عمر الحكومة والبرلمان) وإنما عملية تعجيز مقصودة تحت هواجس الخوف الواهم من “وصول البعثيين” لمواقع السلطة بعد تحقيق “العدالة ورفع الظلم عن الطائفة العربية السنّية وإطلاق سراح المعتقلين الأبرياء، وإلغاء قانون المساءلة والعدالة، والدعوة لتحقيق المصالحة وبناء نظام سياسي لا طائفي”. التراجع عن المطالبة بتحقيق بنود الاتفاق والالتفاف عليها بدعوى تجديد العملية السياسية، سيؤدي إلى انقسامات خطيرة داخل اتحاد القوى السنّية ذاتها، يستفيد منها التحالف الشيعي في مد حياة المشروع الطائفي في العراق. لقد وقع صاحب مشروع التجديد بخطأ قراءة المشهد السياسي من ثلاث زوايا:

أولها أن التحالف الشيعي المهيمن على العملية السياسية بكل سلطاتها) غير مستعد للتنازل عن أي عنصر من عناصر التحكم التي حكم بها العراق منذ عام 2003، رغم مسيرة الفشل التي استمرت لإثني عشر عاما.

ثانيا، الوقوع في ذات الوهم الذي وقع فيه التحالف الشيعي وهو أن أي حل جذري لإصلاح النظام السياسي من خارج العملية السياسية يعني الخضوع لمشاريع إقليمية ذات بعد طائفي إن لم يكن خضوعا للشماعة الجديدة داعش، وأن الخضوع لقدسية العملية السياسية يأتي درءا لعمليات التخويف المستمر من الوقوع في هذا الاتهام. مع أن ما يمكن أن يعطى من قداسة القيم والمشاريع السياسية لابد أن يكون للمشروع الوطني الواسع عابر الطائفية وليس لغيره.

ثالثا، أي محاولة تجديدية تستهدف تبعية الكتلة السنّية للقوى الشيعية، وتلوينها بأشكال جذابة لا تهتم بالجوهر وغير قادرة على معالجته، ستكون بمثابة دعم إستراتيجي لمشروع التجديد القادم داخل البيت الشيعي الذي يتوقع أن تقوده قيادات “الحشد الشعبي”، خصوصا إذا تم تطهير العراق من تنظيمات داعش، حيث من المتوقع أن تسود حالة أكثر إرباكا من الوضع الراهن، وقد لا تتمكن أميركا من ضبط الأمور أمام قدرات إيران الجديدة بعد الاتفاق النووي.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر