السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

إذا قالت الفضائية فصدقوها

كلمة الشعور بالصدمة لا تكفي وأنت تشاهد عينة من جيل مسلوب الوعي إلى هذه الدرجة مقتنع قناعة تامة بالشاشات والإعلام أنها كلها صواب.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/07/14، العدد: 9978، ص(18)]

تبدو علاقة الجمهور العادي بالكاميرا وبالتالي بالشاشة ملتبسة وغريبة، لا سيما ونحن في عصر سماه العالم الشهير “هيربرت شيلر” عصر اندماج الإنسان بالميديا وبوسائل الإعلام عموما، واقعيا هو نوع من الاندماج القائم على أساس مبدأ لا غالب ولا مغلوب، هذا نظريا على الأقل وأما عمليا، فيظن الفرد المشاهد العادي أنه بولائه المطلق وتسليمه بما يعرض عليه على الشاشات إنما يدل على حسن وعيه ومواكبته للإعلام وتحضره ووفائه لأولئك المقدمين لامعي الوجوه، وأما الفضائية والوسيلة الإعلامية فإنها ستكون مشغولة بجني الثمر وإحصاء تلك الأعداد الغفيرة التي تتلقى الرسائل الإعلامية بكل أريحية على أساس أن كل ما تقوله الفضائية لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه.

هنا لابد أن ننقل صورة ومثالا حيا يؤكد ما هو أبعد من التأكيد فيما قلناه آنفا، ينزل الإعلامي بكاميراته وطاقمه إلى الميدان، إلى إحدى الساحات العربية العامة، يساعده المنتج في التقاط عينة عشوائية من الشباب الذين وافقوا على الظهور والحديث أمام الكاميرا، لا سيما وأن صيت واسم تلك الفضائية يستحق ذلك الظهور وأكثر.

يسأل مقدم البرنامج ضيوفه سؤالا محددا، لماذا تقوم الشركة العالمية الفلانية الشهيرة للمشروبات الغازية بشراء محصول الأرز كله والذي تنتجه حقول بلادنا وما هو أثر ذلك علينا؟. وسرعان ما ينبري أولئك الشباب، ويبدو أن جلهم جامعيون، في تبرير إقدام الشركة على تلك الفعلة وأنها تريد أن تضفي طعما على ذلك المشروب وتطالب الحكومة بوقف هدر ذلك الأرز لأنه ثروة وطنية.

في حصة أخرى يقول مقدم البرنامج لضيوفه إن الإشعاعات النووية إذا انتشرت في بلد فلابد أن تكون لها فوائدها، فكيف يمكننا الاستفادة منها؟ وهنا ينبري أولئك الضيوف في شرح الفوائد العظيمة للإشعاعات على الحياة الاقتصادية وحتى على الحياة الاجتماعية والثقافية.

وأما الحصة الأخرى فتتعلق بالكاميرا التي تصورهم وأنها من ماركة “كانون” الشهيرة فلماذا اسم كانون لا سيما وأن مخترعها هو العالم صالح ماعون، فيردد القوم نعم سميت كانون لأن العالم الكبير ماعون قد اخترعها في شهر كانون الثاني وأننا نطالب العالم الكبير بالعودة إلى بلاده.

هذه ليست مجموعة نكات ولا كاميرا خفية بل كاميرا حقيقية وجمهور حقيقي يؤمن بشكل مطلق أن ما قاله مقدم البرنامج وما ساقه من تلفيق هو المتن وأن المواطن عابر السبيل سيجد نفسه هو الهامش فأنى له أن يجادل فيما يعرفه الإعلام، لا سيما وأن الإعلام ارتبط دوما في الذاكرة الجمعية بالسلطة والحكم وأدواتهما التي تمكنه من الوصول إلى الحقائق وتسويغها وبثها دونما أي شك في مصداقيتها.

كلمة الشعور بالصدمة لا تكفي وأنت تشاهد عينة من جيل مسلوب الوعي إلى هذه الدرجة مقتنع قناعة تامة بالشاشات والإعلام أنها كلها صواب إلا عندما يشاع هنا وهناك خلاف ذلك وتلك استثناءات لا تكاد تذكر.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر