الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الحياة يطريها الكذب

هكذا الكذب كل يوم من الصباح حتى المساء. أكل القرنابيط سيجعلك متفوقا في الدراسة، والسبانخ ستجعلك جبارا قويا، وإذا لم تستحم فستموت.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/07/14، العدد: 9978، ص(24)]

الذي يكذب يعتمد على غفلة المكذوب عليه ويفترض فيه الغفلة والجهل. وعندما يمنح الإنسان ثقته المطلقة لشخص ما فكأنه يدعوه إلى الكذب عليه. وأكثر الناس منحا للثقة هم الأطفال، لذلك الأمهات أكبر كذابات. الثقة المطلقة بهن يحولنها إلى رخصة للكذب القراح.

يحاول الطفل تقشير بيضة الإفطار المسلوقة. البيضة لا تتقشر، تنخلع قطع صغيرة منها مع كل جزء صغير من القشرة ويصير التقشير كابوسا والبيضة تتحول شيئا فشيئا إلى جسم مغطى بالنقر، مثل سطح القمر. يصرخ الطفل في الأم “البيضة لا تتقشر” فتجيب الأم وهي منغمسة في غسل المواعين ودون أن يطرف لها جفن “هذا لأنها طازجة”. كذب طبعا.

تجلس بنت صغيرة متأملة أصابع قدمها، كعادة البنات، وتقول مرعوبة “ماما، إصبعا قدمي التاليان للإبهام ملتصقان في الأسفل ثم يتفرعان”، فتكذب الأم دون خجل “هذا لانك جميلة”، فتصدق الصغيرة وتسعد. وهكذا الكذب كل يوم من الصباح حتى المساء. أكل القرنابيط سيجعلك متفوقا في الدراسة، والسبانخ ستجعلك جبارا قويا، وإذا لم تستحم فستموت، وإذا بللت سريرك وأنت نائم سيسقط من جسمك عضو أو أعضاء. عند الأمهات سيل من الأكاذيب لا ينقطع ويتأتى لهن بسهولة ودون حتى تفكير.

في المدرسة، مقر العلم وطلب الحقيقة، قال لنا المعلم وهو يشرح كيف أن غلي الماء يطهره من الجراثيم، واستطرد شارحا “استمعوا إلى مغلاة الماء في المطبخ حين تبدأ أمهاتكم تحضير الشاي، ستسمعون صوتا يبتدئ مع صعود حرارة الماء، صوت يشبه الخرخشة ويبدو قادما من بعيد. هذا صوت ملايين الجراثيم وهي تصرخ مستنجدة”. صدقناه طبعا وراحت مخيلتنا تتصور مخلوقات صغيرة وجهها مدور وأفواهها مفتوحة إلى مداها الاقصى زاعقة من الألم بل وتخيلت أن لها شعرا تشده بيديها من الالم.

إلى يومي هذا عندما استمع لملايين المتظاهرين في الربيع العربي او غيره يصرخون “ارحل، ارحل”، صوت آت من بعيد وتجميع لأصوات الناس فأسمع صوت ماء يغلي.

ويؤكد هذا صوت المذيع وهو يقول “الشارع يغلي”. وأعتقد أن كل من يقرأ هذا العمود حين يسمع صوت الماء وهو يغلي سيتذكر الجراثيم وصراخها. هذه كذبة تجعل من المألوف شيئا جديدا وممتعا.

الكاتب الأميركي بل برايسون يذكر أنه في طفولته قال له أحد أصدقائه الصغار إن له أخا أكلته الحشرات ولم يبق منه سوى الرأس وإن العائلة أخذت الرأس إلى البيت وأودعته صندوق القبعات، وكيف أن العائلة تخرج الرأس من الصندوق كي يتفرج على التلفزيون في المساء. هذه قصة جميلة حاصرها الصغار وقتلوها بأسئلة عن كيف يتنفس الرأس وأين الرئتين وما إلى ذلك من ترهات.

هذه الأكاذيب تطرّي الحياة وتجعلها أبهج وأجمل وملأها الخيال. عند الإنكليز مثل أحبه يقول “لا تدع الحقيقة تقف حائلا بينك وبين حكاية طيبة”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر