الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

اليقين الزائد.. داء يزهو به المرضى

قناة الجزيرة، منصة 'اليقين' الثوري ما دامت الثورة بعيدة عن حدود الإمارة وسكانها ومستخدميها، وهي أيضا أحد وجوه 'اليقين' الإرهابي وممثليه عبر العالم.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/07/14، العدد: 9978، ص(9)]

لا أجد صورة لحسن البنا مبتسما، ولا لسيد قطب، ولا لأي محمود من “محمودين” نجح أولهم (محمود العيسوي) في اغتيال رئيس الوزراء أحمد ماهر عام 1945، وشارك الثاني (محمود زينهم) في اغتيال القاضي أحمد الخانزندار عام 1948، وأخطأت رصاصات ثالثهم (محمود عبداللطيف) صدر جمال عبدالناصر عام 1954.

رأيت مقطع فيديو لمحمود عبداللطيف يبكي، في المحكمة، حين قال مرشد الإخوان حسن الهضيبي إنه لم يصدر أوامر بقتل عبدالناصر، كما نفى علمه بما يدور في التنظيم السري. نجت تلك الجريمة من “اليقين” الإخواني، بزعم الإخوان أنها “تمثيلية”، إلى أن تباهى بعضهم بالتخطيط لاختطاف “مجلس قيادة الثورة”، في برنامج “الجريمة السياسية” عام 2006 في قناة الجزيرة، منصة “اليقين” الثوري ما دامت الثورة بعيدة عن حدود الإمارة وسكانها ومستخدميها، وهي أيضا أحد وجوه “اليقين” الإرهابي وممثليه عبر العالم، بمن فيهم قتلة إسرائيليون يطلون من شاشتها بعدل غير مهني.

الجيل الثاني المنتمي إلى الطبقة الوسطى من الإسلامجية أكثر ذكاء وأقل ثقافة، تلازمته ابتسامة منزوعة الروح، جهد تسويقي لم يفلح في إخفاء القناع البلاستيكي، أما المبتدئون الباحثون عن يقين، ومعهم الذين بلغوا من اليقين أقصاه، فلا يحتاجون إلى هذه الابتسامة، متجهّمون لوجه الله. ينسى المبتدئون والواصلون أن رحمة الله “وسعت كل شيء”، ولا يتذكرون من آياته إلا الوعيد، “وليجدوا فيكم غلظة”، “واغلظ عليهم”، وينسون أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يحب عمه أبا طالب الذي لم يدخل الإسلام، ولا يكفون عن تأكيد أنه في الآخرة سيلبس “خفين من نار يغلي منهما دماغه”، وفي هذا “الكلام” إيذاء لعليّ عليه السلام، وافتئات على الله الذي لو شاء “لهدى الناس جميعا”.

المفارقة أن الابتسامة البلاستيكية المصطنعة، بتوقيت محدد وخصوصا في حضور مريدين وكاميرا، تظهر في مثل هذا السياق “السادي”، بهدف التظاهر بالاستغراق في التدين، والثقة بدخول الجنة، بما يتنافى مع تواضع الصحابة، وما يروى عن أبي بكر أو عمر “لا آمن مكر الله، ولو كانت إحدى قدمي في الجنة”. ولكن الذين “يقسمون رحمة ربك” قادرون على الكذب على الله، والزهو المرضيّ، والكذب المبرر بما يسمونه “التعريض” (بالضاد لا الدال)، وقد سمعت شيخا اسمه محمد حسان يتفانى في حب كل رئيس مصري من حسني مبارك إلى عبدالفتاح السيسي، وآخر اسمه الحويني من بقايا الجاهلية الحضارية بزعمه أن أحوال المسلمين تدهورت بسبب تجاهل الجهاد وما يترتب عليه من غنائم. كلاهما، الحسان والحويني، يتحدث عن “التعريض”، كأن تنبه ابنك للرد على سائل بالباب، ليقول “أبي ليس هنا، ويشير إلى موضع الباب”، أو تستند إلى وسادة فيقول “أبي نائم، وبالفعل هو صادق”.

هذا “اليقين”، وتلك الابتسامة اللزجة المقرونة بثقل ظل لا يحتمل تنتقل عدواها حتى إلى غير الإسلامجية، إلى علمانيين انضووا تحت لوائهم وساروا في الطريق لأسباب مختلفة، غرز بعضهم في هذا الوحل، فاضطر للمزايدة على الإسلامجية بالتكفير الديني والوطني، إرضاء لجموع “الهتيفة الإسلامجية” في الفيسبوك، وهم جيش جاهز للتكفير والسباب، جيش يتربص بمن “غرز” فإذا كتب كلاما عقلانيا لاحقوه باتهامات المروق والعمالة للأمن والتلصص على الحركة الإسلامية التي تسعى إلى تطهير العالم من “الملاحدة”.

يزعم الهتيفة أنهم “الفرقة الناجية”، ويفرحون في مصائب الناس؛ ويسرهم القتل المجاني لأبرياء في الشوارع، وتعمى عيونهم عن إرهابيين لا يخفون رغبتهم في إعلان الحرب على العالم، فيدعون أن الجيش المصري يدبر تفجيرات لكي يوجه غضب الباحثين عن العدالة الاجتماعية والحريات إلى الإخوان، فإذا أعلن “داعش” مسؤوليته عن اغتيال أو تفجير التزم أهل اليقين الصمت. ويبدو أن اختلاف المجرمين رحمة!

ففي صباح السبت 11 يوليو 2015 وقع انفجار قتل نفسا بغير حق أمام القنصلية الإيطالية، وتباهت “الدولة الإسلامية” بتنفيذ الجريمة “بتوفيق من الله وفضل تمكن جنود الدولة الإسلامية من تفجير سيارة مفخخة مركونة تحمل 450 كغ من المادة المتفجرة على مقر السفارة الإيطالية وسط القاهرة. ونوصي المسلمين بالابتعاد عن هذه الأوكار لأنها أهداف مشروعة لضربات المجاهدين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”. (الدولة الإسلامية ISLAMICSTATE مصر)، في 24 رمضان 1346.

يزعم الهتيفة أنهم الفرقة الناجية ويسرهم قتل الأبرياء في الشوارع، وتعمى عيونهم عن إرهابيين لا يخفون رغبتهم في إعلان الحرب على العالم

مرض “اليقين” يمنح هؤلاء حقا في سباب نهى الله عن توجيهه حتى إلى “الذين كفروا”، وتحتاج صفحات “مشايخ” يمتهنون دعوة المسلمين للإسلام إلى تحليل نفسي، لفهم دوافع القبح في حده الأقصى، كيف يخرج من أفواهم، من دون أن يتأذى مريدوهم ممن تنقصهم تربية الذوق على الجمال، بداية من وجدي غنيم، مرورا بعبدالله بدر.

سأكتفي بنموذج المذيع أحمد منصور، ابتسامته سمجة نزعها ومعها السماحة الإخوانية في لحظة صدق، واتهم الشعب المغربي بما لا يليق “لم تجد الصحف الصفراء في المغرب التي يديرها بعض الساقطين والقوادين وسفلة السفلة من سياسيين وإعلاميين ممن يعيشون في المستنقعات ويقتاتون على المحرمات والرذائل… سوى أن يحاولوا النيل مني”، بعد توقيفه في ألمانيا، وهي حكاية غامضة لا علاقة لمصر بها، لأنه جال خمسة أيام من دون أن يتعرض له أحد، ولو كان الأمر يخص مذكرة تسليم متهمين لحدث في المطار، ولكن القضية غامضة ولا يفك ألغازها إلا من يشكون في إجرائه اتصالات، والله أعلم، بجماعات تصيب ألمانيا بحساسية، منذ انطلاق مشاركين في هجمات 11 سبتمبر من أراضيها، وهذه ليست قضيتي الآن مع المذيع منصور.

لا يتورع منصور عن الكذب وتزوير تاريخ شهوده أحياء، تزييف عبر “الجزيرة” مع سلفيين من ذيول مبارك حاول أن يصنع منهم أبطالا، ومقالات استعراضية عنوانها “قصة البيان الأول للثورة المصرية”، في صحيفة “الوطن” حين كان الفلول والإخوان يدا واحدة على الثورة. فبتاريخ 18 أغسطس 2012 كتب أنه بعد يوم 8 فبراير 2011 “أدركت أن كتابة البيان الأول للثورة أمر لابد أن يتم الآن دون تأخير”، وفي يوم 9 فبراير طرح الفكرة على عصام النظامي ومحمد مرسي، “فرحبا بها، وأخرج الدكتور مرسي أوراقا من حقيبته التي كانت تلازمه”. وفي يوم 19 أغسطس كتب أن الجماهير هتفت باسمه في التحرير يوم الأربعاء 9 فبراير “أشعل لنا الميدان بالهتافات يا أحمد”، وأنه بعد خطاب مبارك المخيب للآمال مساء 10 فبراير “هتفت في الناس.. قائلا: على القصر الجمهوري، فانطلق الناس إلى القصر”، وأنه قرأ “البيان الأول” يوم الجمعة 11 فبراير 2011.

يعلم المذيع منصور أن هذا كذب صريح، وادعاء فادح وفاضح، لأن ثورة 25 يناير بدأت يوم 25 يناير، وبيانها الأول ألقاه الدكتور عبدالجليل مصطفى مساء 25 يناير، في مؤتمر عالمي أذاعته الجزيرة، ثم سكتت عنه، ورغم وجوده على يوتيوب منذ مارس 2011 فلم تتجاوز مشاهداته 957 مرة، بسبب التعتيم عليه، في تدليس يهدف إلى تزوير ثورة شعب.

ولعل “العرب” تنشر الرابط، استثناء، ليتأكد للقارئ مساوئ اليقين “الزائد” أو “الزائف”، لا فرق.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر