الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

اللوحة غير المكتملة

نهايات ما تسرده اللوحات إن كان من حيث الأسلوب أو من حيث المضمون هي نهايات 'غير المنتهية'، أما انطباع 'قيد الإنشاء' الذي تتركه في نفس المشاهد هو تمام اللوحة واكتمال صيرورتها.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/07/16، العدد: 9980، ص(16)]

يعود تعبير “اللوحة غير المكتملة” إلى عصر النهضة الإيطالية، ويرتبط بأسماء فنانين تركوا خلفهم لوحات غير تامة، إما لأن الموت خطفهم قبل أن ينجزوها أو لرغبتهم في إلقاء الحيرة في نفس المشاهد، منهم العظماء كالفنان مايكل أنجلو والفنان تيتيان.

وفي المقابل فإن المرحلة الرومنطقية من الفن هي الأشهر لجهة ما قدمته من لوحات ذات صفات وملامح غير منجزة، وربما هي الأكثر تمهيدا لما أطلق عليه لاحقا بالفن الحديث ومن ثم بالفن المعاصر.

تكتنز معظم اللوحات الرومنطقية نزعة لا تعترف بمفهوم الإنجاز لا من ناحية مضمون العمل المنفتحة آفاقه على شتى الاحتمالات، ولا من ناحية الأسلوب المُغرق في غموضه وإيحاءاته.

قد تكون لوحة الشاعر والفنان وليم بليك التي تحمل اسم “الكابوس″ من أروع اللوحات التي توقع المشاهد في فخ التباس المعنى وتمييع الحدود الفاصلة ما بين الخيال والواقع من جهة، وما بين الشر والخير من جهة أخرى.

أما اللوحات التشكيلية العربية المعاصرة لأزمات المنطقة، فقد أسست بدورها صيغة فنية مُبتكرة لما عُرف قديما في العالم الغربي بنموذج “اللوحة غير المكتملة”، وذلك عبر تظهيرها لثيمة واحدة تؤلف ما بين معظم اللوحات على الرغم من التفاوت في درجات النضج الفني، وفي الأساليب الفنية المعتمدة؛ إنها ثيمة انعدام اليقين، أو الشك المفتوح على كل الاحتمالات.

الوجوه الحائرة، أو الأجساد والأشكال المتحولة التي لا يبدو عليها الركون إلى أية صيغة نهائية. الخطوط التي يغشاها التلف أو تلك التي تجرّح سطح اللوحة مدمّرة كل انسياب، أو تصميم شكليّ محدد من شأنه أن يرسي المشاهد عل برّ اليقين ممّا يريد الفنان أن يقوله. خلفيات اللوحات الغامضة وإن كانت مشغولة بشتى الألوان والتفاصيل المُنمنة المستقاة من أساطير المنطقة العربية، كلها عناصر تكاد تكون عناصر هوسية لتكوّن روح اللوحات.

تقول اللوحات تلك “لا قرار للبئر”، لا قرار في عين الرسام، ولا في عين ساكني اللوحات من أشياء وناس، ولا قرار في عين المُشاهد خاصة إذا ما انتمى هو الآخر إلى المنطقة العربية.

كما يخضع تكوّن الزجاج لقوانين النار الصاهرة، يجيء تكوّن عوالم تلك اللوحات خاضعا للتحولات ولغليان الأفكار في أتون المحرقة اليومية. العالم غير المنجز في هذه اللوحات هو تحقيق من نوع أعمق لمفهوم “اللوحة غير المكتملة”.

فنهايات ما تسرده اللوحات إن كان من حيث الأسلوب أو من حيث المضمون هي نهايات “غير المنتهية”، أما انطباع “قيد الإنشاء” الذي تتركه في نفس المشاهد هو تمام اللوحة واكتمال صيرورتها. مردّ ذلك إلى أن اللوحات ولدت خلال الحروب والأزمات التي تعكس عنفها ولانهائيتها المؤقتة.

يمكن النظر إلى عدد كبير من لوحات الفنان السوري ثائر معروف من هذا المنطلق، إذ أنه في لوحاته يحاول طرح موضوع “الرؤية والبصر” في أسلوب فني شديد التعبير عن الشك ولامحدودية الواقع. من خلال غشاوة يختلف الفنان في معالجتها تقنيا من لوحة إلى أخرى يشيد عالمه المشكوك بأمره.

أما الفنان غسان نعنع فيرسم أشخاصا قوامهم اللون المتحلل، بينما يشكل الفنان نسيم الريس أشخاصه وخاصة في لوحة أطلق عليها “بالجدارية السورية”، وكأنهم تحت مطر أسيدية غير قادرة على إتلافهم.

ربما لا يختلف الفنان فادي يازجي كثيرا في تعبيره عن هذه الفوضى الوجودية، إلاّ بالأسلوب فأشخاصه خلايا حية، شذرات أحلام وآمال بشرية، تصول وتجول، تتكاثر وتندثر لتنبعث من جديد، ولكن إلى عوالم الشك والقلق البادي في نظرات عيونهم وحركات أجسادهم الانطوائية.

لعل الفنان فرانسيس بيكون يعبر تماما عما تكتنزه اللوحات العربية المعاصرة تلك من غموض معالم قيد التحول دوما، حين قال “إنها احتضان لغير اليقيني.. هي مجموعة متزاحمة من الحوادث تبحث عن المعنى”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر