الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

اتفاق نووي إيران… العجلة من 'الشيطان الأكبر'

المخاوف تتركز على محاولة هذا التيار المتشدد للاستثمار في الخلاف السني الشيعي كورقة جديدة، ومن شأن رفع العقوبات أن يضخ المزيد من الأموال لدعم هذه السياسة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/07/19، العدد: 9981، ص(6)]

هناك طرفان رابحان من الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية الكبرى، الطرف الأول هو إيران نفسها، التي تعاملت مع الاتفاق كانتصار دبلوماسي، وسعت إلى ترويجه في الداخل كوثيقة اعتراف بموقعها في الساحتين الدولية والإقليمية، أما الطرف الثاني فهو إدارة باراك أوباما، الذي سيجد في هذا الاتفاق نافذة يطل منها على الرأي العام الأميركي من موقع الفائز، الذي استطاع أخيرا أن يحرز النصر في واحد من الملفات الشائكة في منطقة الشرق الأوسط والعالم، والذي سيمكنه من تغطية العجز الدبلوماسي الكبير الذي اتسمت به السياسة الخارجية الأميركية في أقدم ملفات المنطقة، وهو القضية الفلسطينية.

في الظاهر يبدو الاتفاق محكوما بشروط موضوعية، ناتجة عن صعوبة الحسم في عدد من النقاط التي ظلت عالقة طيلة مسار المفاوضات، الذي استمر أزيد من سنة، لحل أزمة بقيت معلقة طيلة ما يزيد على عقد من الزمن، منذ الكشف عن المشروع النووي الإيراني السري في مدينة ناتانز. ولكن الهبوط تحت السطح يضعنا أمام عدد من الحقائق والتفاعلات، التي لم يكن ممكنا من دونها التوصل إلى اتفاق كهذا، في ظرفية حرجة تجتازها المنطقة، وتحاول إيران عبرها تأكيد حضورها، بالرغم من العقوبات التي كان الكثير يعتبر أنها لجمت اندفاعها الإقليمي.

لعبت إيران خلال أحداث ما سمي بالربيع العربي دورا مساندا لانتفاضات الشوارع العربية؛ فهي كانت تتوقع أن تؤدي تلك الأحداث إلى إسقاط أنظمة لا ترتاح لها، وإلى رسم خارطة إقليمية جديدة تمنحها مقعدا مريحا بعد عقود من العزلة الناجمة عن انهيار مشروعها التوسعي المغلف بشعار تصدير الثورة. وكانت تتوقع، أبعد من ذلك، أن تصل تلك الأحداث إلى عمق الخليج العربي الذي ترى فيه خطا للممانعة ضد الهيمنة الإيرانية والتوسع الشيعي، ولكن التفاعلات التي حصلت بعيد ذلك في المنطقة وأرجعت عقارب الساعة إلى الوراء، على الأقل مرحليا، حفزت إيران على تكثيف تحركاتها لتسريع التحول الجذري في المنطقة، وخلط الأوراق في لعبة خطرة مفتوحة على جميع التوقعات. فليس لدى إيران ما تخسره، وهي تتعامل مع محيطها العربي السني على أنه نسيج مركب يمكن التأثير فيه من خارجه، دون التورط، بينما تجلس في مكان بعيد للتفرج على حالة التمزق في العالم العربي، منطوية على هويتها الفارسية التي لا يوجد لها أي امتداد خارج الإقليم.

استطاعت إيران أن تفتح جيوبا لها في المنطقة العربية، بهدف الدفع في هذا السيناريو الكارثي، من خلال التدخل المباشر في سوريا واليمن، في خطة متبصرة لاستثمار حالة الانفلات وفرض سياسة الأمر الواقع على البلدان العربية، سرعان ما تصبح معطى على الأرض لا يمكن التشكيك فيه، وهكذا أصبحت لاعبا قويا في أربع عواصم عربية. وبالموازاة مع ذلك، وفي سياقه، أشعلت المواجهة المذهبية السنية الشيعية، رغبة في خلط أكثر الأوراق خطورة في تاريخ المنطقة برمته، خصوصا وأنها تدرك أن عائدات هذا التوتر المذهبي تؤول إلى رصيدها هي بدرجة أولى، كونه يدفع الشيعة العرب أكثر إلى أحضانها أكثر مما يسوقهم إلى العزلة عنها.

وبالطبع، إذا لم يكن هذا الدور مطلوبا غربيا وأميركيا بشكل علني فإن نتائجه في النهاية تصب هنالك. لقد ظل التفجير المذهبي والطائفي في العالم العربي مطلبا حاضرا في الأجندة الغربية والأميركية حتى قبل أن تحصل الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات من القرن الماضي، بل ليس هناك من يجهل بأن المدخل إلى المنطقة العربية في بدايات القرن الفائت كان مدخلا مذهبيا وطائفيا بامتياز، على نحو ما تظهره لنا حوليات مسألة الأقليات، ولكن مرحلة ما بعد الثورة الإيرانية رفدت هذا المدخل بكيان سياسي بات قادرا على أن يحرك هذه الورقة بالوكالة، حتى وإن لم تكن تلك الوكالة مكتوبة ومتعاقدا عليها.

قد لا يكون من باب التخمين، غير المؤسس على وقائع، القول بأن توقيت توقيع الاتفاق مع إيران في هذه المرحلة مدروس بدقة. لقد استمرت الأزمة ثلاثة عشر عاما بينما استمرت المفاوضات إحدى وعشرين شهرا، توجت في الأخير باتفاق يفتح الباب أمام إيران لإطلاق يدها أكثر في المنطقة العربية، وفي هذا الاتفاق رابحان رئيسيان هما طهران وواشنطن، لكن فيه خاسرا وحيدا لم يكن مطروحا طوال مسار المفاوضات، أو كان مطروحا بالشكل السيئ، هو الطرف العربي. ذلك أن إيران، التي وافقت أخيرا على وضع يدها في يد “الشيطان الأكبر”، باتت تدرك أن حل الأزمة الإيرانية مسعى أميركي أكثر منه إيرانيا، وبأن هناك نوعا من التبادلية بين الرغبة الأميركية والطموح الإيراني، ولذلك فإن العجلة في تتويج المفاوضات باتفاق يحدث ثقبا في جدار الأزمة أملتها التحولات التي تحصل في المنطقة العربية، لجعل إيران مستقبلا مفاوضا قويا ومباشرا في أي عملية لترتيب الأوضاع؛ فالاتفاق، وبعيدا عن كونه رفعا للعقوبات، هو بمثابة “تسويق” للوجود الإيراني في المنطقة؛ فبعد التفجير الطائفي، تطمح إيران بأن يأتي الاعتراف السياسي.

بيد أن هناك مخاوف أكبر لا بد أن تشكل مصدر إزعاج للبلدان العربية، ولبلدان الخليج بوجه خاص. لقد ظل المتشددون في النظام الإيراني، أو من يطلق عليهم الحرس القديم للثورة، يعتبرون صراعهم مع الولايات المتحدة الأميركية، التي يصفونها بـ”الشيطان الأكبر”، الورقة الرابحة داخليا من أجل توحيد الرأي العام الإيراني وراءهم وتجنيده مع خطابهم السياسي، لكن الاتفاق الجديد سوف يخلي أيديهم من هذه الورقة بشكل تدريجي؛ ولأن النظام الإيراني ـ كأي نظام مغلق بسبب اندماج الدين والنزعة القومية الضيقة ـ لا بد له من شعار يجمع حوله الأنصار، فإن المخاوف تتركز على محاولة هذا التيار المتشدد للاستثمار في الخلاف السني الشيعي كورقة جديدة؛ ومن شأن رفع العقوبات أن يضخ المزيد من الأموال لدعم هذه السياسة.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر