السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

طائرات بلا طيار.. في دول بلا دول

خطر الإرهاب خرج على السيطرة وعن الإدارة والجماعات التكفيرية الجديدة تختلف جوهريا عن الجماعات الجهادية إبان تسعينات القرن الماضي من حيث التجنيد والاستقطاب.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/07/21، العدد: 9983، ص(9)]

أن تنقل صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤول أميركي كبير أنّ واشنطن تبحث عن موطئ قدم لها في شمال أفريقيا لتوجيه ضربات جوية عبر طائرات بلا طيار ضدّ تنظيم “داعش” في ليبيا، فهذا يعني أنّ الإدارة الأميركية باتت تبحث عن تموقع جديد لها في العالم العربي بعيدا عن الجغرافيا المشتعلة في الشرق الأوسط التي دخلت مرحلة “أشباه الدول المناطقية” و“الدول الهجينة”، بعد أن صارت المنطقة العربية ساحة لتقاسم النفوذ بين مشاريع الأمم، “الفارسية” و“العثمانية” في ظلّ غياب رسمي لكافة الأدوار العربية.

مشروع التمركز الأميركي في شمال أفريقيا ليس بجديد فلقد وقع طرح هذه الفكرة تحت مسمى “قاعدة أفريكوم” منذ أحداث 2001، ووجدت حينها رفضا قاطعا من كافة العواصم المغاربية ولكن يبدو أنّ الأحداث في ليبيا وبداية تداعياتها سرعت في إعادة المشروع على طاولة المحادثات.

تدرك واشنطن اليوم، أنّ خطر الإرهاب خرج على السيطرة وعن الإدارة وأنّ الجماعات التكفيرية الجديدة تختلف جوهريا عن الجماعات الجهادية إبان تسعينات القرن الماضي من حيث التجنيد والاستقطاب وقوّة التقاطع القائم لديها بين “الأيديولوجي” و“الفيديولوجي” و“الميديولوجي”، الأمر الذي يستوجب دعما ودفعا للسلطات القائمة معاضدا بجهد عسكريّ أميركي جوي، وكل ذلك قصد تأمين الخطوط الخلفية لواشنطن وتعزيز دفاعاتها الأولى التي تبدأ وفق منظور الأمن القومي الشامل من قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا.

الخطير في هذا التصريح كامن في دلالاته العسكرية حيث أنّ التدخلات الأميركية -في حقبة الرئيس باراك أوباما على الأقل- تأتي في سياق اللحاق بتعداد ضحايا الإرهاب وليس في سياق الوقاية من خطره والاستباق من كينونته الهدامة، ذلك أنّ التدخل الأميركي بطائرات بلا طيار في الصومال جاء عقب أن سيطر التكفيريون الصوماليون على أحياء في العاصمة مقديشو، كما أنّ التدخل في العراق وسوريا كان بعد تمكّن داعش من أكثر من نصف مساحة الرافدين والشام، ما يعني أنّ تنظيم الدولة الإسلامية بات على مرمى حجر من العاصمة الليبية طرابلس وأصبح قريبا من السيطرة التامة على الجزء الغربي للبلاد. وهي كلها مقدمّات لسيناريو خطير يتهدّد تونس التي سبق وأن وضعها رئيسها الباجي قايد السبسي على حافة الانهيار في حال تمكّنت أيادي التكفيريين من سياحتها مرة ثالثة.

في هذا الجزء التحليلي لا يمكن فصل خطوة الجدار الترابي التي بدأت تونس في بنائه على طول الحدود مع ليبيا، عن مشروع “الطائرات بلا طيار” الأميركي حيث أنّ سيناريو شطب الحدود الجغرافية بين العراق وسوريا من طرف داعش خلال الصيف الماضي لا يزال ماثلا في العقل الأميركي، وهو ما يفسّر السعي الأميركي إلى الحيلولة دون تكرار سيناريو إلغاء الحدود في شمال أفريقيا عبر دعم الدفاعات الترابية التونسية وتأمين غطاء جوي ضدّ أي مسعى لتغلغل داعش خارج الخارطة الليبية.

تعرف واشنطن أنّ منطقة شمال أفريقيا باتت دولا جغرافية بلا دول سياسية وسيادية، فبين تونس التي تعرف أكبر ظاهرة استقطاب تكفيري لشبابها منذ الاستقلال، إلى ليبيا التي باتت أرضا مشاعة للإرهاب والإرهابيين، إلى الجزائر التي تقف على حافة “هاوية” سياسية وأمنية خطيرة، لذا هي اختارت أخذ زمام المبادرة بيدها وعدم التعويل على نجاعة الدعم العسكري لجيوش المنطقة المغاربية.

المفارقة هنا، أنّ الأطراف السياسية الإخوانية المغاربية التي عربدت ورفضت أي مطلب للتدخل العربي مجسدا في الإمارات ومصر في ليبيا، تتجرّع كأس سمّ نفاقها السياسي ولا تجرأ عن مجرّد الإشارة بحرف حيال الاستعدادات الأميركية للتوطين العسكري في شمال أفريقيا.

لن نستبق الأحداث حيال مكان القاعدة العسكرية الأميركية، ولكن تصبّ المؤشرات إلى أنّ تونس قد تكون هي الأوفر حظا لاحتضان هذا التواجد الأميركي، أولا لقربها من ليبيا وثانيا لوضع داعش تونس كهدف ثان بعد ليبيا سيما عقب الإعلان عن الجدار العازل وثالثا للاصطفاف السياسي الكبير وراء واشنطن، فالكلّ -ماعدى القوميين واليساريين وهم أقلية برلمانية- لايتردّد في ركوب سفينة العمّ سام حتّى وإن كفر بليبراليتها وديمقراطيتها وحتى وإن سماها يوما ما بـ“الشيطان الأكبر”.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر