الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

أوباما خسر العراقيين وكسب إيران

السياسيون العرب السنة أكثر ضياعا وغيابا عن المشهد في ظل تسرب الكثير من قياداتهم للولاء لطهران قبل الاتفاق الأخير، فكيف في ما بعده.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/07/21، العدد: 9983، ص(8)]

لا شك أن أوباما اتخذ خطوته التاريخية في جلب الوحش إلى البيدر، وحسب نظريته “إذا أردت تخليص العالم من المارقين والطغاة، فإنه يتوجب عليك أن تحتضنهم وترّوضهم”. وقد أراد أن يبصم للحظة تاريخية تستخدم فيها السياسة بدل الحرب على أمل سيادة الأمن والاستقرار في منطقة عصفت فيها الحروب بالوكالة، حروب الهوية والتطرف الديني والمذهبي التي أشاعتها وكرستها أميركا في العالم.

ويعتقد أوباما ويحاول إقناع حلفائه العرب الذين خذلهم ويبحثون اليوم عن حلفاء جدد بأن الاتفاق النووي مع إيران خطوة لتهدئة الثور الجامح.

إلا أن الوقائع السياسية وما وصلت إليه إيران من مراحل متقدمة في هيمنتها الكاملة على ثلاث عواصم عربية بعد انكسارها في العاصمة اليمنية تشير إلى استحالة تراجعها عن سياستها التي أثمرت هذه النتائج، خصوصا في العراق الذي يشكل مركز الثقل الاستراتيجي في المنطقة.

ويعلم أوباما بأنه نقل أهل المنطقة والعراق إلى مرحلة جديدة أكثر إرباكا وغموضا واستعدادا لصدامات أكثر حدة، ولا يمكنه إقناعهم بأن إيران ستغيّر استراتيجيتها لأسباب كثيرة أهمها:

أولا، إيديولوجية النظام السياسي الإيراني ودستوره تقوم على مبدأ تصدير الثورة وولاية الفقيه، والعقيدة القتالية الإيرانية وجهت نحو جيرانها العرب. وهذا النظام السياسي قد تم بناء مرتكزاته تلك عبر ثلاثين عاما، وقمعت جميع محاولات إصلاحه من الداخل، وقطاع المتشددين ما تزال له الكلمة والفعل في واجهات العمل الدعوي والتعبوي داخل إيران.

كما يصعب تحجيم الحرس الثوري، الذي أصبح أكبر مؤسسة متشددة داخل البلاد وهو ذراع المرشد خامنئي خارجها، ومثاله نشاط الجنرال قاسم سليماني في كل من العراق وسوريا ولبنان لصالح مشروع التوسع.

ثانيا، لم يمنع الحصار الأميركي الغربي إيران من توفير الإمكانات المادية الهائلة في الدعم اللوجستي للمنظمات الواجهية الدعوية والتشكيلات المليشياوية، والوسائل والأدوات السياسية والإعلامية كالفضائيات المنشأة من قبل طهران مباشرة أو بالوكالة، والدعم السخي لقيادات ونخب سياسية عربية وعراقية ومفكرين ومثقفين وإعلاميين حسب بعضهم في يوم ما على المشروع القومي العربي، وكانوا لآخر لحظة مع نظام صدام حسين وتلقوا الدعم منه قبل انهياره.

فمثلما كانت البندقية في الزمن الثوري العربي تنتقل من كتف إلى كتف حسب نسبة الدفع، أصبح مُسوّقو الشعارات العروبية يخدمون المشروع الإيراني بلا حدود تحت تبريرات (المقاومة والممانعة) وهو شعار فقد بريقه الآن بعد أن انكشفت المواقع ولم تعد هناك سواتر تحميها.

وعبر الكثير من اليساريين والشيوعيين العراقيين بعد ضياعهم الفكري والسياسي عن ولاء طائفي أعمى وانبطاح للمشروع الإيراني، لكونه يعادي العروبة ويقدّم ضمانات المال والأمن لهم، إضافة إلى أدوار رخيصة لمرتزقة ينقلبون على ملّتهم لقاء (الدولار) القادم من أية عاصمة واليوم من طهران. فهل يتوقع أوباما ومؤسسات واشنطن الاستخبارية والإعلامية أن تغلق طهران بعد الاتفاق النووي كل هذه المشاريع والدكاكين بعد استلامها ما يقارب من 150 مليار دولار؟

مؤسسات المرشد خامنئي الناشطة في العراق ستنتعش بسبب الظروف الجديدة، وستضاعف من فعالياتها اللوجستية على وقع حرب داعش وما بعدها وهو الأخطر

ثالثا، هناك الكثير من الدلائل التي تدحض مقولة “إن العداء الأميركي الإيراني ساعد قوى التشدد في إيران، وصعد من الاضطراب في المنطقة، والعراق بصورة خاصة، ومن أهم تلك الدلائل الداحضة تعاون إيران وأميركا في القضاء على دولة العراق واحتلال أراضيه عام 2003 وكان الإيرانيون يتوقعون من إدارة بوش مكافأتهم ورفع اسم نظامهم من قائمة الدول المارقة، لكن تلك الإدارة لم تفعل ذلك، ولهذا عملوا على إتعاب الجيش الأميركي المحتل للعراق، وجاء أوباما ليقدم لهم أكثر مما يتوقعون.

رابعا، طالما دعت دول العرب المجاورة إيران إلى بناء سياسة حسن جوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية فجميع الدول العربية متضررة من تلك السياسة، ومن بينها العراق، وليست لديها أطماع تاريخية أو اقتصـادية في إيران، فيما تلك استراتيجية إيرانية معلنة وثابتة، وهناك أمثلة كاحتلال إيران للجزر العربية الثلاث، وادعاء فارسية البحرين وإثارة القلاقل داخلها، واعلان بغداد عاصمة لامبراطورية فارس الجديدة، واطلاق اسم “الخليج الفارسي” على الخليج العربي والطلب من مؤسسة غوغل تثبيت ذلك على خرائطها. هل يستطيع أوباما أن يؤكد للعرب بأن إيران وفق الاتفاق الجديد ستعّدل سياستها تجاه جيرانها.

يعتقد أوباما ومن يؤيد التداعيات الإيجابية للاتفاق النووي بأنه من دون هذا الاتفاق ستزداد حالة تصعيد “الصراع الشيعي السني” في العراق. وهذا يقود حسب مروّجي الاتفاق، إلى ضرورة استغلال الفرصة لبناء استقرار تقوده طهران وواشنطن بين السياسيين العراقيين، ومع طوائفهم. وهي فكرة أو دعوة ذات نية طيبة لدى البعض، لكن تنقصها الكثير من المعطيات السياسية الواقعية وتدحضها احتمالات أخرى تعزز فكرة زيادة الاحتقان السني الشيعي في العراق مثلا أن يصبح “السياسيون الشيعة” المؤيدون للمشروع الإيراني في العراق أكثر اعتدادا بالتشدد واستمرارا لسياستهم الإقصائية، وسيسعون إلى كسب رضى إيران قبل كل شيء، مقابل المزيد من الإحباط العربي السني لدرجة قبولهم بخيار داعش الانتحاري أو غيره.

إن تحويل الشيعة إلى منطقة نفوذ إيرانية لا يقبله الكثير من الشيعة العرب المهمشّين على جميع المستويات. وهناك متفائلون يرون بأن إيران ستصبح معتدلة بعد الاتفاق النووي، وكأنها خرجت من مختبر بدّل جينات نظامها وإيديولوجيتها.

الاحتمال الأكثر ترجيحا هو أن مؤسسات المرشد خامنئي، وفي مقدمتها قيادات الحرس الثوري، الناشطة في العراق عسكريا ومدنيا ستنتعش بسبب الظروف الجديدة، وستضاعف من فعالياتها اللوجستية على وقع حرب داعش وما بعدها وهو الأخطر.

مع ذلك يظل السياسيون العرب السنة أكثر ضياعا وغيابا عن المشهد في ظل تسّرب الكثير من قياداتهم للولاء لطهران قبل الاتفاق الأخير، فكيف فيما بعده؟ سيتوافدون قوافل للحج إلى طهران “المنتصرة”، فيما سيزداد المتطرفون تطرفا.

ويغيب المعتدلون في لجة الفوضى السياسية في العراق، لقد خسر أوباما العرب والعراقيين فيما كسب إيران.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر