الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

بضع كلمات

عبارة البائع ستنزع عنك الصحة وتطرد الربيع من قلبك وتحيله خريفا وتحول الأغاني إلى سعال، عبارة صغيرة تشعر أنها أدق من الفحص الطبي الكامل.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/07/21، العدد: 9983، ص(24)]

عندما تكون متأنقا مزهوا حسب نظرتك إلى نفسك في المرآة وتستقل سيارة أجرة، يحصل أن يخاطبك السائق بكلمة “يا حاج” فتشعر فورا أن منظرك ليس من الزهو والأناقة في شيء. عبارة “يا حاج” ترديك عجوزا رثا. عندها تحس أنك طعنت في السن وعبارة السائق تلك وصف لحالك الحقيقي. تدرك أن ملابسك لا ترشحك للقب “باشا” عند سائق التاكسي في مصر أو حتى أستاذ في الدول العربية الأخرى وأن ما رأيته في المرآة كان رؤية رغائبية بعين متحيزة.

عندما تكون موفور النشاط تمشي وفي خطواتك قفزة وفي قلبك ربيع كامل وعلى شفتيك أغان وتروح لتشتري خضارا، مثلا، وعند الدفع يقول لك البائع “الله يعطيك الصحة”، عند ذاك تحس أنك ستودع الدنيا قريبا جدا. عبارة البائع ستنزع عنك الصحة وتطرد الربيع من قلبك وتحيله خريفا وتحول الأغاني إلى سعال، عبارة صغيرة تشعر أنها أدق من الفحص الطبي الكامل وتحاليل الدم لدى كبار الأخصائيين.

هذه عبارات تشخيص موجعة نتلقاها من فم الأغراب ولها مفعول. لكن هناك عبارات أخرى تشخص ناطقها وليس المخاطب. يكشف الإنسان أغوارا ومجاهل في نفسه ويتحدث عن جهله وقلة درايته بقول صغير لا يتجاوز البضع كلمات. أتذكر صديقا اضطره الزمن إلى التعامل مع الكومبيوتر بحكم العمل، ولم يكن يعرف كيف ينطق اسمه (اسم الجهاز وليس اسمه هو). كان في عقله فراغ هائل في ما يتعلق بالكومبيوتر وتبعاته. كان في جهازه ملف والجهاز لا يراه لأن الاكستنشين غير معروف. قلت له: الملف موجود، ربما، لكن الكومبيوتر لا يراه، فقال “العمى”.

هذه “العمى” تكشف حالة من الجهل الهائل. وتأكيدا لذلك الجهل سألني مرة وهو قلق “الساعة كم يأتي الإيميل؟”، حاولت أن أشرح أن الإيميل يأتي عندما يرسلونه وليس له وقت توزيع مثل الرسائل ولم يفهم. ذكر أن ساعي البريد في منطقتهم يأتي بين الثامنة والتاسعة كل صباح، عدا أيام الأحد، ويوزع الرسائل. لم يكن لدي نفس كاف لأشرح فكرة الإيميل وحتى إن شرحتها لن يفهم.

وهناك آخر كان يحدثني بشيء من الاستفاضة عن الهجرة السرية من بلد إلى آخر. ذكر ما سمعه عن معاناة المتسللين لدى عبورهم الجبال الفاصلة بين البلدين وكان كلامه مؤزرا بالإحصائيات والوقائع، ومضى في سرده قائلا إن هناك متسللين يموتون أثناء عبور الجبال، وتوقف قليلا ليقول عبارة تكشف جهلا فظيعا حين أضاف “أظنهم يسقطون من الجبل”. هذا يكشف أن الرجل لم ير جبالا إلا في أفلام الكرتون. الجبل عنده شيء مدبب ينزلق منه المرء ويسقط إلى حتفه. وقوعه مصحوب بصرخة تتلاشى ثم صوت ارتطام وموت. لا يعرف أن الجبل أرض فيها طرق ومفازات وكهوف يمكن أن يتوه فيها الإنسان ويموت عطشا وجوعا، مثل الصحراء أو أي أرض يباب. جهله انكشف مع عبارة “أظنهم يسقطون”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر