الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

سياسي يبحث عن إعلامي

سياسي يفكر كل يوم في إنتاج قصة جديدة تجعل صاحبه الإعلامي راكضا نحوه، وتعاد الكرة مرات ومرات.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/07/21، العدد: 9983، ص(18)]

سياسيون كثر، وإعلاميون كثر، وما بين ذلك شعوب متسمرة أمام الشاشات تنتظر الجديد، والجديد ليس غير نجوم الفن، ثم لينضم إلى القافلة نجوم السياسة، لكن المفارقة هي أن يتضخم عدد السياسيين ويجد في بريق الصورة والشهرة التي تصنعها الشاشات إغراء يدفعهم إلى نوع من الإدمان على الظهور.

هنالك وجوه سياسية لا تكاد تفارق الشاشات، وتطل على المواطن وهو يلتهم طعامه أو وهو ينظر في الفراغ أو مهموم بشؤون يومه، فالسياسي قادم بالمن والسلوى والأحلام والأماني السعيدة، يبشر بوطن جميل وسعيد ما دام هو في موقع السلطة والقرار، وأن التحديات إلى زوال، وأن الإنجازات العظيمة تتحقق في كل يوم لا يخطئها الناظر، وأنه ورهطه من الساسة يعملون ليل نهار وبلا كلل ولا ملل من أجل خفض نفقات المعيشة ومستويات الفقر والأمية والبطالة، وغيرها من التحديات الكبيرة.

لا يقرأ السياسي اللامع حقائق النمو الاقتصادي والسكاني والتعليمي، وغيرها، في إحصائيات معتمدة تفضح القاع الذي وصلت إليه الأوضاع في البلاد، والتحديات الجسام التي لا تنفع معها تلك الأماني الجميلة وترانيم التخدير التي يغدق بها السياسي سامعيه، لكن ماذا تفعل والفطرة الإنسانية مأخوذة إلى حسن النية لدى السواد الأعظم من الناس، فهم يحلمون بأن غدا لناظره قريب، وعبارة “الله كريم” و”الله موجود” و”نعم بالله” لا تفارق الناس الطيبين الذين يمارس السياسي معهم لعبة الخديعة التي لا تخفى على كل ذي بصيرة.

سياسي يلهث وراء الإعلامي ووراء الظهور، بل إن منهم من “يدفع” لكي يكثف من الظهور، يفتعل قصصا للحديث عن وجود الفساد وكيف أنه نذر نفسه للتصدي للفساد وخدمة الوطن والمواطن، فيما حاشيته والأقربون يصولون ويجولون، سواء في التجارة أو تبييض العملة أو المضاربات المالية والعقارية والصفقات ونسب من المشاريع، هذا كله وهو لا هم له سوى اصطياد الإعلامي الفذ الذي سيلمع صورته ويبرئ ساحته، إنه سياسي نبيل من أولئك النبلاء الذين يشار لهم بالبنان، بل إن هنالك شرائح من الناس البسطاء وبعض السذج لا يعدون السياسي ذا شأن ما لم يرفع عقيرته بالصراخ ومناكفة الخصوم وتكرار كلمة: اتحدى، هذا مفتاح أساسي للكاريزما الإعلامية المفتعلة التي صارت منتشرة هذه الأيام تتبعها بضع وثائق لا تعرف صدقيتها لفضح بعض الموظفين أو الخصوم الضعفاء.

ثم إنك تسمع هنا وهناك أنه إعلامي “كريم النفس” ما إن يمر بمكتبه الإعلاميون الارتزاقيون، حتى يخرج من الدرج شيئا ما يدسه في جيب زواره، تلك ظاهرة لافتة حتى صار لبعض الطارئين على الإعلام مسح دقيق للسياسيين الكرماء، وأما السياسيون الذين لا شغل لهم بالرشوة الإعلامية فيعدون سياسيين بخلاء، وهؤلاء لا نصيب لهم في الظهور لأنهم لا يتصارخون ولا ينفقون على الإعلامي المفتعل والمرتزق.

سياسي يفكر كل يوم في إنتاج قصة جديدة تجعل صاحبه الإعلامي راكضا نحوه، وتعاد الكرة مرات ومرات، فلا السياسي وجد في هذه البضاعة ما يسوء أحدا، ما دام الجمهور ساكتا وراضيا، ولا الإعلامي شعر بجسامة المسؤولية في تسويق هذا الزيف والضحك على ذقون الناس.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر