السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

فن شجاع بمحاذاة الهاوية

الإبداع الفني الصادق المُنبثق من قلب الأزمات وخلالها، ليس بفن بسيط يمكن لأي فنان تحقيقه حتى وإن كان صادقا في مشاعره، ومُتمكنا من أسلوبه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/07/23، العدد: 9985، ص(16)]

يواجه معظم الفنانين الذين يتناولون الحروب والأزمات في أعمالهم سلسلة من الانتقادات، أقساها أنهم فنانون انتهازيون يستغلّون أهوال المأساة لبناء نصوص فنية مرغوب فيها لدى أسياد السوق العالمي للفن.

قيل إن في تعبيرهم عن المأساة الكثير من الزيف، انطلاقا من فرضية أن على الجرح أن يندمل أولا قبل أن يصبح من الممكن لأي مبدع أن يبتكر عملا معبرا وصادقا.

أما ما يؤكد عكس ذلك، فهو بروز سلسلة من الأعمال الفنية المعاصرة للحروب على درجة كبيرة من صدق الشعور، جلاء الأفكار وحرية التعبير بعيدا عن الهامات الرقيبة وسيفها القاطع.

كم من المرات كُتب عن الفن التشكيلي السوري والمصري وحتى العراقي قبل اشتداد الأزمات أنه فن غارق في نشوة الماضي وفي تراث الزخرفات المشرقية، ولا يقدم شيئا جديدا غير وداعة اللحظات تحت شمس العصر؟ ها هو الآن وخاصة الفن التشكيلي السوري المعاصر قد تجلى فيه هذا الإرث، ولكنه مجبول بجروح الحاضر وتطلعاته المستقبلية حتى تلك المغمورة بالشك والممزقة بالقلق العميق.

قد ينطبق توصيف الزيف والهدف النفعي البحت على فنانين من خارج منطقة الشرق الأوسط في لهاثهم وراء تقديم أعمال صادمة بغية لفت النظر. قد ينطبق ذلك التوصيف بحق على عدد كبير منهم، ولكنه لا ينطبق على هؤلاء الفنانين العرب المعاصرين لأزمات بلادهم طويلة الأمد حتى قبل انطلاق الثورات.

فهؤلاء الفنانين أكثرهم تأذى بشكل مباشر من الحروب إمّا من ناحية احتراق مراسمهم أو بيوتهم، أو لاضطراهم مغادرة البلاد لاستحالة العيش، أو لجهة اختبارهم خسارة أو أسر أحد أو أكثر من أفراد أسرهم أو أصدقائهم.

تذكّر هذه الاتهامات بالتكلف الكاذب بما جرى في الماضي غير البعيد، عندما نُظم في لبنان “مهرجان فني” طُلب فيه من الفنانين التشكيليين أن ينتجوا أعمالا تعبر عن مجزرة قانا التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.

يومها جاء عدد كبير من تلك الأعمال دون المستوى الفني وخارج صدق الشعور بما حدث، ليس لأن الفنانين المشاركين في تلك التظاهرة لم تعن لهم المأساة شيئا، بل لأن أعمالهم جاءت “تحت الطلب” لتعرض في وقت محدد وفي “تظاهرة” سياحية. لا بل أن هناك العديد من الفنانين المميزين لم يقدموا يومها لوحة واحدة على مستوى فداحة المجزرة.

الإبداع الفني الصادق المُنبثق من قلب الأزمات وخلالها، ليس بفن بسيط يمكن لأي فنان تحقيقه حتى وإن كان صادقا في مشاعره، ومُتمكنا من أسلوبه. هذا النوع من الفن المتزامن مع الأزمات، ربما يكون من أكثر الفنون صعوبة، لأنه يتطلب من الفنان إقامة التوازن بين آنية حدة الشعور، والقدرة على تخطي اللحظة المعيشة مستعينا بملكة الخيال والتبصّر وبالدراية الفنية والتقنية العالية.

يُشهد لنخبة من هؤلاء الفنانين المعاصرين من أمثال حسام بلاّن، سارة شما، بسيم الريّس، صفوان دحول، وهند عرابي، نهاد الترك، ثائر معروف، وغيرهم من الفنانين، أنهم أسسوا لتيار فنيّ متشعب الأساليب ومتفاوت الخبرات يسير بمحاذاة الأزمات وعلى شفير وديانها السحيقة.

فن يلعب دورا كبيرا في تشكيل أو إيقاظ حاسة النقد والتأويل لدى المشاهد، فن يكشف عن خبايا الأزمة الوجودية في عالم عربي يتخبط لأجيال في شتى أنواع المستنقعات اللزجة.

ليس شأن الفن العربي المعاصر منهمكا فقط في نقل مشاعر الفنان، بل هو معنيّ بتوسيع حقل الرؤية وإحياء تفاصيل المأساة وصولا إلى جعل الحدث، عبر ما أنجز عنه، جزءا ثمينا من الذاكرة الجماعية.

فن عربيّ شجاع، يصدق عصره، مُتحول حتى وهو في تمام إنجازه حاملا توقيع الفنان. فن ناطق في جوهره كجنين ينمو بصمت بكل ما أوتي من قوة في رحم من الأهوال المائجة.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر