الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

السيرك الفارسي وعرس الثعالب

خيمة السيرك الفارسي تحولت من خيمة متنقلة حسب الأهواء والعرض والطلب إلى خيمة ثابتة الأوتاد وموزعة في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/07/23، العدد: 9985، ص(8)]

الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان قال ذات مرة في جواب عن سبب تذبذب علاقة أميركا مع العرب: إن الخصام معهم لا يضر ولا ينفع.

أستعيد تلك المقولة ونحن في أمة العرب نتابع خيمة السيرك الفارسي التي تحولت من خيمة متنقلة حسب الأهواء والعرض والطلب إلى خيمة ثابتة الأوتاد وموزعة في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين ومرشحة لتقدم عروضها في أماكن أخرى في عالمنا العربي.

العرض الأول بدأ في طهران عام 1979 وكانت عيون المهرّجين واللاعبين تتجه صوب بغداد، حالمة بسوق واسعة من الاستقطاب لبرامجها المليئة بالسحر والشعوذة، لكنها فوجئت بالبلد الذي يمثّل ربع حجم إيران، وشعبه لا يشكل إلا من الثلث.

الحرب مع إيران أجّلت التمدّد، على الرغم من خيبة أمل العراقيين في النظام السوري وإمداداته لإيران بالصواريخ المستوردة لحسابه من دول الاتحاد السوفيتي ليتم بها قصف بغداد ومدن العراق بسلاح عربي.

فعلها كذلك النظام الليبي، جريا وراء كل شعارات الإسلام السياسي كمشروع بديل لحالة الضعف العامة في المنظومة العربية والإسلامية. لكن من يتابع تسلسل الطموحات الإيرانية المتزايدة بعد وقوع العراق في مصيدة انخفاض سعر النفط عام 1989 والضغوط الأميركية، ومنها توقف تصدير القمح إلى العراق، وتداعيات دخول الجيش العراقي إلى الكويت، ثم الحصار، تقابلها من الجانب الإيراني، إدارة ذرائعية تتحين الفرص لإنشاء مركز استقطاب طائفي لتتحول إلى كيان فوضوي في المنطقة من علاماته الأحداث الدموية في موسم الحج إبان فترة الحرب الإيرانية العراقية.

تصاعد الوتائر المذهبية في إيران عززه ضعف العراق ووقوعه تحت البند السابع والعقوبات الواسعة ومحدودية النفط المصدّر بإشراف دولي مقابل الغذاء والدواء، وانفصال كردستان بخطوط العرض لخيمة صفوان، سمح ذلك لإيران بأن تطور اقتصادها وتوسع من طموحاتها النووية التي أثمرت توقيع اتفاق مع دول 5 + 1 وهو اتفاق أميركي إيراني أو زفاف لعرس لا أظنه سيدوم طويلا لأسباب تتصل بطبيعة الاتفاق وتضارب المصالح في العالم والمنطقة.

الرئيس الأميركي رونالد ريغان قال عن سبب تذبذب علاقة أميركا مع العرب: إن الخصام معهم لا يضر ولا ينفع

خيمة السيرك الإيراني في العراق، فارسية بامتياز، وتكاد تكون بقوام وبرامج ولاعبين أميركان وإيرانيين جمعتهم منطقة خضراء أودت بمندوبي وموظفي العلاقات العامة في الإدارة العراقية لتبني كل فعاليات السيرك المشترك لطرح برامجه على الساحة العراقية ابتداء من حل الجيش، صمام الأمان لبناء أي دولة، إلى دمج الميليشيات والاغتيالات المنظمة للعلماء وأصحاب العقول، والنتيجة خروج الأفاعي والقردة والأشباح والمقامرين إلى ساحة وطن تحول بين مد وجزر إلى دولة فاشلة في معايير التنمية المختلفة.

والربيع العربي تحول بين عاصفة وأخرى إلى ربيع الملالي، في اليمن مثلا، وما خلفته من بلد ممزق، دفع بالعرب إلى إيقاف سريان النار، من خيمة يمن سعيد، إلى خليج مازالت إيران ترفض تسميته حتى بتحييده إلى خليج بتسمية إسلامية، وكل خرائط العالم تحمل تسمية “الخليج الفارسي” وهي إشارة إلى ردات فعل تاريخية متعالية على دول بعث فيها اكتشاف النفط ونعمة تفكير قادتها الذين وجدوا أنفسهم في مفصل زمني مهم، أهمية اللحاق بركب التقدم ومزاوجته باعتزازهم بتراثهم ومواطنيهم وصنعوا نموذجا للحداثة في كيفية التصرف بالأموال خدمة لتراكم رأس المال وإعادة شحن متواتر في تنويع مصادر الدخل وتوسيع نشاطاته ليشمل الاقتصاد العالمي.

تحصل خروقات نوعية واشتعال فتائل، تطفأ مرة وأخرى بوعي الحكام وقادة الدول ورحابة صدورهم ومعهم الخيرون من كل الأطراف، لكن الخشية كامنة في درس التجربة العراقية، واستخدام المساجد وغيرها من أماكن دينية كقنابل بأحجام مختلفة التأثير في نفوس المواطنين لارتباطها بالجانب العقائدي الذي يعلو صوته في النفس البشرية بالتتابع وسقوط الضحايا.

نأمل في أن يُصار إلى خطابات وقوانين وصيغ تتقدم على الأحداث وتسبق محفزات الفتن ونيات ما أسميه سباق التسلح الطائفي، نعبئ الدولة والشعب ليتسارع في بناء حائط صد وساتر نفسي تُحمى به الأوطان من ثعالب السياسة الإيرانية الراقصة على أنغام البوب الأميركي بعباءة وشادور فارسيين.

السيرك الفارسي بخيمته وخَدَمِهِ الصغار سينتجون شعوبا وقبائل تتنازع على خيام اللجوء والمذلة على أعتاب الأمم، ومخاوفي ليست من باب الخيال، ومثال انفصال سنغافورة عن ماليزيا بسبب العمالة الصينية واحتمال تكرار ذلك في دولنا العربية لموجبات أكثر خطورة.

ريغان، قد يكون مصيبا في رأيه تجاه العرب حينها، لكن ما ينطبق على الفترة الرئاسية لريغان لا ينطبق على الفترة الرئاسية المترددة لأوباما، والعرب تم وخزهم بقوة في خاصرتهم من قبل الثعالب الإيرانية التي توجت زفتها بعرس نووي مؤجل.

في العراق، ندرك تماما ماذا يعني “عرس الواوية” أي الثعالب لأنه حتما سينتهي إلى مآلات أخرى.. نتركها للقادم من الأيام والسنين.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر