السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

مدينة كل شيء

لقد كان يمكن للجغرافيا أن تلعب دورا هاما على صعيد العلاقة بين الشرق والغرب ثقافيا، تلغى معه تلك الحدود الثقافية التي رسمت بينهما وكأنها قدر لا فكاك منه.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/07/28، العدد: 9990، ص(15)]

من يزور مدينة بحجم إسطنبول سكانيا وتاريخيا وموقعا جغرافيا لا بدّ أن يكتشف أنها مدينة كل شيء، فيها تجد صخب المدن الكبيرة وازدحامها، حتى يوحي لك ازدحام بعض شوارعها العريقة بأن ثمة تظاهرة بشرية حاشدة تجوب المكان.

رغم ذلك تجد على أرصفة تلك الشوارع الحجرية الواسعة فرقة تعزف الموسيقى والأغاني التركية والعربية، مقابل ما يتكرم به بعض المارة من نقود. أغلب العازفين فيها من الشباب السوري اللاجئ في هذه المدينة، بينما يتوزع بعض العازفين الآخرين على الآلات الشرقية هنا وهناك.

في هذا الشارع التاريخي العريق الذي يسمى تقسيم جرت العام الماضي مظاهرات كبيرة من قبل أنصار التيار العلماني والليبرالي التركي دفاعا عن هوية هذا الشارع، ضدّ محاولات الحزب الإسلامي الحاكم للسيطرة على هذا المكان تحت ستار تطويره، ولا سيما أن أغلب سكان الأحياء المجاورة هم من الأكراد ومناصري تلك الأحزاب.

الدفاع عن هوية المكان ورمزيته شكلت محور تلك التظاهرات القوية التي أجبرت السلطة الحاكمة على إحالة الموضوع على المحاكم التركية، بعد أن عجزت عن وقف تلك التظاهرات التي أدرك من يقودها الأهداف الحقيقية لهذا المشروع الذي كان يسعى حزب العدالة والتنمية الحاكم من خلاله إلى السيطرة على الجغرافيا الخاصة بهذه الأحزاب والتيارات السياسية، بهدف تقليص مساحة نفوذها.

بين المقاهي والمطاعم والبارات التي تنتشر بكثافة كبيرة في الشوارع الجانبية لمنطقة تقسيم تختلط مظاهر الحداثة مع المظاهر التاريخية العريقة للمكان، بينما تتعايش مظاهر مختلفة للحياة في اللباس والسلوك في انسجام تلمسه في كل شيء فيها.

أهمية هذه المدينة لا تتمثل في تعايش الثنائيات المتناقضة التي تحكم الحياة فيها، فقد لعب الموقع الجغرافي والتنوع الإثني والسياسي فيها دورا هاما في إكسابها هذا الطابع المنفتح والمتعدد للحياة فيها.

أهميتها تتجاوز ذلك إلى ما باتت تلعبه من دور حاسم في اللعبة الديمقراطية للانتخابات التركية، فهي التي ساهمت بقوة في صعود حزب العدالة والتنمية للسلطة، وهي التي حالت في الانتخابات الأخيرة دون تحقيق الرئيس طيب أردوغان لحلمه في تغيير النظام السياسي لتركيا تمهيدا لتغيير النظام الرئاسي الذي يمنحه صلاحيات واسعة لتحقيق مشروعه السياسي.

لقد كان يمكن للجغرافيا أن تلعب دورا هاما على صعيد العلاقة بين الشرق والغرب ثقافيا، تلغى معه تلك الحدود الثقافية التي رسمت بينهما وكأنها قدر لا فكاك منه، وذلك من خلال تحويلها إلى مدينة للتفاعل الثقافي والتواصل الحضاري بينهما، تتحول معه إسطنبول إلى منارة تضيء على أطراف البحار الأربعة التي تستلقي على أطرافها الواسعة برخاء.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر