الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

ذلك الصراع الذي مازال يبتلع الصحفيين

صراعات السياسة كما صراعات الغالب والمغلوب بالسلاح كلها متوثبة ومستفزة لابتلاع مزيد من الصحفيين السائرين على الحبل، حبل هذه الحياة التي تتردى ما بين الكوابيس وأحلام اليقظة المعذبة.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/07/28، العدد: 9990، ص(18)]

الكابوس أمامي قائم، قم من نومك لست بنائم”، هذه كلمات للشاعر أحمد مطر تختصر ثلاثية الكابوس والنوم واليقظة، والصحفي كائن، يمر كما يمر سائر الناس في جوف الكابوس الطويل الذي يطبق على البلاد والعباد منذ سنوات خاصة في العالم العربي السعيد. فلا يكاد يمر يوم إلا وهنالك فجيعة ودماء تراق ومداد يسفح على صفحات الجرائد والشاشات يروي ما جرى من قتل وتفجير وترويع حتى اختلطت قصص الثورة بالعصيان، بالتمرد، بالفوضى، بالتحرير، بالاندحار، بالنصر، بالهزيمة. ولم يعد المواطن العربي السعيد مكترثا بأي منها سوى أن يخرج من الكابوس سليما ويشعر أنه خرج من نوم كابوسي طويل إلى يقظة تحمل سعادة مفقودة وتلك هي خلاصة الشاعر في قوله آنف الذكر.

بين هذا وذاك دخل الصحفي في اللجة، تلك اللجة العاصفة، ناقلا ما يرى وما يسمع ثم ليدفع ثمن ما نقل حياته ويده على الكاميرا أو على الحاسوب أو في يده القلم لا غير، آخر الضحايا صحفي شاب من الموصل أكلته غيلان داعش وتجشأت بانتظار المزيد، كان ذلك قبل أيام، أقامت داعش حفلا لكائنات دراكولا لاغتيال صحفي لم يؤذ أحدا ولم ينقل باطلا ومثاله جيمس فولي الذي احتز رأسه ومثله ستيفن سوتوف. اختلطت دماؤهم بأنهار الدماء السورية في تلك الحرب الأهلية الطاحنة التي ما أبقت حجرا على حجر وليست حلب الحزينة منك ببعيدة إذ تناوشها الأقربون والأبعدون قصفا وتدميرا ماحقا في نزعة انتقام لا مثيل لها.

وهناك في الأراضي الليبية حيث نار الصراع وكابوس الخراب كان الفوتوغرافي كريس هوندروس ضحية من ضحايا ذلك الصراع الدامي وكذلك كانت ماري كولفن ودانييل بيرل وعشرات غيرهم ممن ابتلعهم كابوس الصراع الدامي، ولأن الصحفي المسالم ليس طرفا في صراعات أمراء الحروب فأنه قربان جاهز للإجهاز عليه، كان الصحفي العراقي الراحل محمد بديوي ذاهبا إلى عمله الصحفي، ليس في وسط جبهة قتالية وبعيدا عن خطوط النار لكن مسدس الجلادين كان بانتظاره وإن هو إلا حارس عنصري وأكثر تطرفا وصبيانية في شكل ضابط يحرس قصرا لمسؤول رفيع في العراق أجهز عليه بطلقة في الرأس ليخرس أنفاسه فلا صوت يعلو على صوت المسدس ولا مهمة أقدس من اغتيال الصحفي في عرف هؤلاء الجلادين.

صوت الصحفي موجع ومخيف ولهذا في وسط هذا العالم العربي الفسيح صارت هنالك بؤر موتورة وعنفية فلا يكاد الصحفي يكتب مقالا أو تقريرا يكشف فيه حقيقة ما أو ينتقد مسؤولا أو سياسيا حتى يتهم بالخيانة العظمى وترشقه السهام من كل جانب ويمنع من دخول أراضي ذلك البلد وصولا إلى نزع صفة الوطنية عنه نهائيا وإلقاء اسمه في قعر لائحة سوداء لا تتغير أسماء المنشورين فيها مهما تغير الزمان بل لدى بعض الدول قائمات بأسماء صحفيين ماتوا ولكنهم ما زالوا على قائمات المغضوب عليهم حتى قيام الساعة.

صراعات السياسة كما صراعات الغالب والمغلوب بالسلاح كلها متوثبة ومستفزة لابتلاع مزيد من الصحفيين السائرين على الحبل، حبل هذه الحياة التي تتردى ما بين الكوابيس وأحلام اليقظة المعذبة.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر