الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

ومن الحب ما قتل

مسألة من سيدفع ليست سهلة فيها صراخ وشتائم واشتباك بالأيدي وبالعقال أحيانا، والعقال لمن لا يعرفه سلاح فتاك يجب أن يعاد البرادعي من تقاعده ليحقق فيه.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/07/28، العدد: 9990، ص(24)]

المدن الصغيرة الواقعة على الطرق العامة في العراق وربما في غيره مدن ضحلة وما فيها عمق. انعدام العمق يأتي من أن وجود المدينة وحياتها يقومان على وجود الطريق العام والمدينة تنمو بمرافقته. هي هبة الطريق العام مثل ما مصر هبة النيل. وحياتها تقضي بالتماشي مع الطريق مثل ما حياة مصر تقوم على شريط يمشي مع النيل.

لذلك ترى المدينة طولها كيلومتران وعرضها أو عمقها بالكاد ثلاث بيوت خلف بعضها البعض على كل جانب من الطريق. وهي إلى هذا تتباهى ببضع مطاعم متفرقة على الطريق زبائنها من أبناء السبيل أي المسافرين.

في ذات يوم شتائي في زمن بعيد توقفنا لنتغدى في أحد تلك المطاعم. فيه نادل يحفظ المنيو عن ظهر قلب ويتلوه المرة بعد المرة بنغمة موقعة مغمضا عينيه رافعا رأسه قليلا كمن ينشد شعرا مدرسيا. النادل يقوم بكل شيء من مسح الطاولة إلى ترتيل المنيو إلى إحضار الطعام وفي الآخر ينادي بصوت منغم مخاطبا صاحب المحل منبئا بحساب كل مغادر.

كل هذا عادي ومألوف. لكن المبهر أن صاحب المحل جالس عند الباب وأمامه صينية صف عليها نقودا حسب فئاتها وفوق رأسه لافتة مكتوب عليها “الرجاء الاتفاق على من سيدفع قبل الوصول إلى هذه النقطة”. هذه عبارة من نوع العبارات التي تلخص ثقافة كاملة.

مسألة من سيدفع ليست سهلة فيها صراخ وشتائم واشتباك بالأيدي وبالعقال أحيانا. والعقال لمن لا يعرفه سلاح فتاك يجب أن يعاد البرادعي من تقاعده ليحقق فيه. شيء مؤذ. والضرب والاشتباك هنا ليست وراءهما بغضاء وكراهية بل الود والاحترام كله. ثم إن الاشتباك قد يمتد ويمتد وتتعالى فيه نبرة أغلظ الأيمان والقسم بالطلاق.

يعني تكون المرأة جالسة في بيتها بين أطفالها ويأتيها الطلاق لأن أحدهم لم يدع زوجها يدفع ثمن الفاصوليا اليابسة والرز في مطعم ناء. وحتى هذا الطلاق لا يأتي من عاطفة سيئة بل هو نتاج الحب والتقدير، فهو يعني أن الزوجة هي أغلى ما عند الزوج الذي يحلف بطلاقها. كل هذه الاشتباكات التي تصل حد الركل واللكمات والطلاقات وتخريب البيوت يدفعها الحب والتقدير. والزوجة ينبغي أن تسعد لأنها غالية إلى هذا الحد.

هذا التعبير عن الحب بالركل والشر ليس نادرا ومعزولا وحكرا على مجتمعات المدن الصغيرة والأرياف. هناك نساء في الحواضر الكبرى يؤذين أزواجهن أذى شريرا لأنهن يغرن عليهم، وعليهم أن يكونوا ممتنين عاشقين. وحتى في العالم الأول تجد الأذى معبرا عن حب سامٍ.

قرأت منذ سنين خبرا صغيرا قادما من كندا. لا أذكر المدينة لكنها في كندا. يقول الخبر إن زوجة ألقت بزوجها من شرفة شقة في الطابق التاسع لأنها وجدته يدخن وهي تخاف على صحته ولا تطيق الحياة دونه. وهكذا حركتها دوافع الحب الخالد وألقته إلى حتفه من الطابق التاسع.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر