الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

ما تقوله وحوش اللوحات

الفنان العربي المعاصر نادرا ما قصد عبر رسمه الوحوش والمسوخ لتجسيد القاتل، بل أراد تجسيد ضحاياه وإبراز عملية تحول أو تشوه ملامحهم تدريجيا في عين الُمشاهد.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/07/30، العدد: 9992، ص(16)]

يسرد الكاتب وليم غولدنغ في رواية “أمير الذباب” قصة فتيان تحطمت طائرتهم ليجدوا أنفسهم على جزيرة مهجورة. حاولوا البقاء على قيد الحياة عبر بناء هيكلية سياسية تحدد علاقتهم ببعضهم البعض، ولكنهم ما لبثوا أن انزلقوا إلى وحشية خارج التصور في انحياز تام لتفوق عنصر الشر على الخير.

تنتهي الرواية، التي تحتدم تفاصيلها حول محاولة القبض على “وحش ما”، بسلسلة من الكوارث أثارت الجدل آنذاك حول الطبيعة البشرية ومنطق الصراع على السلطة.

يقول أحد فتيان الرواية بتردد يعتريه الخوف “ربما، وأقول ربما، لا وجود لوحش على الجزيرة. ربما الوحش هو نحن”. يحيلنا هذا القول، وبقوة، إلى ما تجسده الوحوش المُصورة في معظم اللوحات العربية المعاصرة.

إن ما تجسده يتخطى خطاب الشر الكامن في الذات الإنسانية. إنها تجسيد و”أنسنة” مرعبة للتحولات المؤلمة التي تعتري الكائنات البشرية في ظل فضائع الحروب المستمرة.

الفنان العربي المعاصر نادرا ما قصد عبر رسمه الوحوش والمسوخ لتجسيد القاتل، بل أراد تجسيد ضحاياه وإبراز عملية تحول أو تشوه ملامحهم تدريجيا في عين الُمشاهد، كلما جدد نظرته.

ليست “وحوش الفنان” سبهان آدم، على سبيل المثال قادمة من الأساطير ولا من أقاصيص الأطفال الخرافية، بل قادمة من مستنقعات الألم المزمن. الكائن البشري في لوحاته كائن غير مكتمل. قبض عليه الفنان متلبسا بجريمة لا نهائيته.

كائن لا يكفّ عن التحول في كل نظرة يلقيها المشاهد عليه. يتحول في تعابير وجهه وأطرافه وألوانه. برمائي وطائر من طين، وهو في تحولاته تلك كائن عدمي يصارع الموت الذي ولد منه.

قد يكون هذا الفنان من أوائل الفنانين المعاصرين العرب الذين قوضوا ماهية الوحش في ذهن وعين المشاهد، وذلك انطلاقا من تجربته الخاصة القائمة على طفولة معذبة لازمها الفقر والمرض المستمر.

لم يزل الفنان منهمكا حتى اليوم في رصد تحولات هذه الكائنات، وقد حمل أحد معارضه عنوان “هاوي الجمال فقد صوابه”. عنوان لافت هو بمثابة صدى مدوّ لما قاله يوما الفنان فرانشيسكو غويا “عندما ينام العقل، تستيقظ الوحوش”.

الوحوش المتحولة في لوحات الفنانين المعاصرين العرب أيقظتها الحروب والثورات الدامية، فجعلت منها انعكاسا مخيفا لحالة الضياع والألم التي يعيشها الإنسان العربي في كل شكل من أشكال حياته.

من تلك اللوحات نذكر تلك التي رسمها فنانون كأحمد الواهيبي، ريما سلمون، حسكو حسكو، ومنيف عجاج. أما الفنان قيس سلمان فرسم مسوخا بشرية تعرت من إنسانيتها نهائيا فبدت “جلودها” حمراء كقطع اللحم المٌقدد.. نازفة دون دماء نابضة دون أن توحي بالحياة.

يمكن أيضا اعتبار نهاد الترك من أهم هؤلاء الفنانين، فالهامات الغامضة التي رسمها في الأعمال الفنية التي سبقت المعرض الأخير الذي أقامه في بيروت، ليست بمسوخ متربصة بالبشر. لا بل هي تحولاتهم النفسية والجسدية في محاولة حثيثة منهم لمواجهة الواقع الذي يزداد سوادا.

أما جسد الكائن البشري المضغوط بشكل غير واقعي والذي اشتهر الفنان همام السيد به وبرسم يده المدكوكة دكا متشنجا في جيب معطفه، ليس بشكل إنسان طبيعي ممكن أن نصادفه في الشارع.

يرمق كائن همام السيد المُشاهد بنظرات زرقاء، خارقة كالسهام تحت ظل قبعة يريدها أن تكون خافية لنظراته المُدينة. الأمر مشابه بالنسبة إلى الفنان بسيم الريس الذي يصور في لوحاته أبطالا قيد التحول إلى كائنات غرائبية تذوب ألوانها تحت سيل النار.

لعل “الجدارية السورية” التي رسمها الفنان عن المأساة السورية هي الأبلغ إشارة إلى هذه القامات البشرية المفجوعة بتبدد أحلامها تحت مطرقة الظروف القاهرة.

الجسد في تلك اللوحات هو المفجوع بأحلامه التي راكمها على مدى سنين من القمع والعذاب، وهو وعاء التحولات المتأتية منها.

تحولات كابوسية تتجسد أمام المُشاهد الناظر إليها، لتقول بلسان كاتب رواية “أمير الذباب”، “ليس بمقدور الخوف مهما استشرى أن يؤذيك أكثر من الحلم”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر