الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

أسبانيا بين إيتا وداعش

أسبانيا توجد اليوم أمام تحد من نوع مختلف، يتمثل في الجماعات السلفية المتطرفة التي باتت أكثر حضورا على التراب الأسباني، بالنظر إلى قرب البلد من الحدود مع الجنوب المتوسطي.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/07/30، العدد: 9992، ص(8)]

نوهت لجنة مكافحة الإرهاب بمنظمة الأمم المتحدة، الإثنين الماضي، بأسبانيا كنموذج في مجال محاربة الإرهاب على الصعيد الدولي، بعد خمسة عقود من المواجهة المفتوحة مع منظمة “إيتا” الباسكية الانفصالية في الشمال، واعتبرت أن تجربتها جديرة بالاعتبار، ويمكن أن تشكل درسا في مكافحة الإرهاب الجهادي اليوم.

وضعت هذه المبادرة الحالة الأمنية في أسبانيا تحت دائرة الضوء، بعد أن خلفت وراءها التركة الدموية للعمليات الإرهابية التي كانت تنفذها الحركة الباسكية في العقود الماضية، والتي خلفت العديد من القتلى والجرحى والكثير من المآسي والجروح في السياسة والثقافة معا، ودخلت مرحلة جديدة من الموجة الإرهابية متمثلة في الجماعات السلفية المتشددة، التي تجد في أسبانيا ملجأ قريبا نظرا لموقعها في الضفة الشمالية للمتوسط، على بعد كيلومترات عن نقاط التوتر في شمال إفريقيا وإقليم الساحل.

ترجع أولى الاغتيالات التي نفذتها حركة إيتا في صفوف الشخصيات السياسية والأمنية في أسبانيا إلى عام 1969، أما أول عملية تفجيرية في الشارع فتعود إلى سنة 1974، حينما نفذت الحركة تفجيرات في أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة مدريد، ومنذ تلك الفترة وإلى عام 2006 خلفت العمليات التي قامت بها إيتا 873 قتيلا في صفوف المدنيين، ناهيك عن الشخصيات العامة التي تعرضت للاغتيال، وكانت العمليات تنتقل من مكان إلى آخر في أسبانيا، بحيث كانت ترمي إلى إشاعة مناخ من الرعب في البلاد.

بعد عام 2006 بدأت عمليات الحركة تتقلص تدريجيا، بسبب الاستراتيجية الأمنية التي اعتمدتها الحكومات الأسبانية المتعاقبة، وبفضل التعاون الاستخباراتي الفرنسي، كون عدد من مسؤولي الحركة كانوا يلجأون إلى فرنسا من حيث يمكنهم توجيه العمليات دون أن تطولهم الملاحقة. وقد أقنع الوضع الجديد الحركة بقبول مقترح رئيس الحكومة الاشتراكي وقتها، خوسي لويس زباثيرو، بإعلان هدنة بين الطرفين، ونشرت الحكومة بلاغا تعلن فيه بدء الحوار مع الحركة، لكن هذه الأخيرة بعد شهرين من ذلك، انقلبت على الهدنة ونفذت في مارس من نفس العام عملية تفجيرية في إحدى المطارات القريبة من العاصمة خلفت مقتل شخصين، فردت الحكومة بوقف الهدنة.

لكن الحركة بدأت في إطلاق النار على نفسها منذ 2010، عندما نفذت عملية اغتيال لرجل أمن إسباني فوق التراب الفرنسي، الأمر الذي دفع السلطات الفرنسية إلى تكثيف التعاون الأمني مع نظيرتها الإسبانية، وملاحقة أعضاء الحركة الموجودين في فرنسا. وبعد سنة من ذلك التاريخ اضطرت الحركة إلى نشر بيان تعلن فيه “هدنة دائمة وعامة وقابلة للاختبار”، لكن الفرق بين هذا البيان والبيانات الأخرى أن هذا الأخير كان موجها إلى الرأي العام الدولي، في أول خطوة من نوعها تقوم بها إيتا.

بيْدَ أن اختفاء العمليات الإرهابية التي كانت تنفذها الحركة لم يجفف التراب الأسباني بشكل نهائي من الأزمات الأمنية. فأسبانيا ترى اليوم بأنها توجد أمام تحد من نوع مختلف، يتمثل في الجماعات السلفية المتطرفة التي باتت أكثر حضورا على التراب الأسباني، بالنظر إلى قرب البلد من الحدود مع الجنوب المتوسطي، ولأعداد الجاليات المسلمة، وكذا بالنظر إلى الخلفية التاريخية التي تتمثل في الحاضرة الأندلسية في شبه الجزيرة الإيبيرية.

كانت تفجيرات محطة القطارات في العاصمة مدريد، في مارس 2004، أكثر العمليات دموية لهذه الجماعات في أسبانيا، حيث خلفت أكثر من 40 قتيلا من جنسيات مختلفة، لكنها لم تكن أولى العمليات التي يقوم بها مسلحون يحملون جنسية بلد إسلامي وتابعون لحركات متطرفة. فخلال الثمانينات شهد التراب الأسباني بضع عمليات نفذها أشخاص ينتمون إلى جماعات متطرفة أو إلى إيران، من بينها العملية التي دبرها تنظيم “الجهاد الإسلامي” لاغتيال مالك صحيفة “الأنباء” الكويتية خالد المرزوق، عام 1984. ورغم أن العملية فشلت إلا أن سائق السيارة التي كانت تقل المرزوق لقي حتفه. وفي يونيو من نفس العام ألقت السلطات الأسبانية القبض على كومندوس تابع للمخابرات الإيرانية كان يخطط لتفجير طائرة تابعة للخطوط السعودية. وقد كانت هذه العمليات تستهدف شخصيات أو مصالح بلدان عربية وإسلامية داخل أسبانيا، أما أول عملية استهدفت مواطني أسبانيا فكانت سنة 1985، إذ في أبريل من هذه السنة تم تفجير أحد المطاعم في العاصمة بسيارة مفخخة، مما خلف مقتل 18 شخصا وجرح العشرات، وكان يقف وراء العملية السوري مصطفى ست مريم نصار (أبو مصعب السوري)، الذي أقام فوق التراب الأسباني 12 سنة وغادره عام 1987، قبل أن يعود إلى أسبانيا عام 1992 وخطط مع أسامة بن لادن لإنشاء أول خلية تابعة لتنظيم القاعدة في أسبانيا.

ومنذ إعلان إنشاء “الدولة الإسلامية في العراق والشام” بدأت السلطات الأسبانية تكثيف جهودها لمواجهة جماعات التطرف الديني، ورفعت سقف التعاون الأمني مع المغرب، الجار الجنوبي. فطيلة الشهور الماضية توجه العشرات من المواطنين الأسبان إلى القتال في صفوف التنظيم، عدد كبير منهم ينتمي إلى مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين، وتقول السلطات الأسبانية إن 25 شخصا على الأقل من الجهاديين الذين غادروا أسبانيا قد قتلوا في المعارك داخل سوريا في الفترة الماضية. وقد بلغ عدد العمليات التي نفذتها ضد جماعات متطرفة 128 عملية منذ تفجيرات مارس 2004، كما بلغ عدد المعتقلين في ملفات الإرهاب الجهادي 572 شخصا، لكن أغلب هذه العمليات جرت فقط في السنوات القليلة الماضية، بعد الربيع العربي وبروز الجماعات المسلحة وامتدادها في أوروبا، ويكفي أن أسبانيا نفذت خلال هذا العام وحده 13 عملية ضد هذه الجماعات المتطرفة، وهو رقم لم يسجل طيلة العقود الماضية من المواجهة مع الإرهاب الناتج عن حركة إيتا أو المتطرفين الإسلاميين.

تخشى أسبانيا من أن تتحول إلى ساحة مفتوحة للجماعات السلفية المتشددة، نظرا لموقعها على الخريطة بين شمال وجنوب المتوسط. وقبل أسبوعين كشف وزير الداخلية عدد المساجد التي يسيطر عليها السلفيون المتشددون في البلاد، حيث ذكر أن هناك 98 مسجدا توجد في قبضة السلفيين، نصفها في إقليم كاتالونيا وحده، وقال إن معدل التطرف الديني في الأوساط المسلمة ارتفع بنسبة ثمانين درجة منذ عام 2012، سواء في المساجد أو في السجون، مشيرا إلى أن الوتيرة ماضية في الارتفاع بسبب انتشار المواقع الجهادية على شبكة الأنترنت.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر