الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

عبدالناصر بين تكفيرين ديني ووطني

كلما قرأت تهافتا تأكد لي أن جمال عبدالناصر صخرة تجمع القوى الرجعية على تشويهها، نظرا لاستحالة التحطيم.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/08/01، العدد: 9994، ص(9)]

منذ سنوات أرسل لي صديق مغاربي، مقيم خارج بلاده، رواية مخطوطة عن مصريين في بلد أوروبي. قلت له إن لديه حسن ظن كبيرا بما يشاهده من أفلام ومسلسلات مصرية تشبه نفسها، تتوارث تقاليد اجتماعية ولفظية تتناسل تلفزيونيا، فلا توجد في مصر الآن امرأة ترتدي “ملاية لف” كانت من مصادر فتنة تحية كاريوكا وسامية جمال وغيرهما، وتخلو القرى ممن تعصب رأسها بمنديل تتدلى منه ورود، ولا يقول رجل مصري “يا خرابي”. هذه مستحيلات تصر دراما الاستنساخ على وجودها. شكرني ولم أر الرواية منشورة، وقال أصدقاء إنه شكرني في الصفحة الأخيرة، وقدرت أنه حذف ما يشير إلى شبهات استشراقية تسيء إليه أولا، حيث سيتهم بالتصدي للكتابة عن مجتمع لا يعرفه.

وقد أغرت موجات الثورات العربية بعض العرب من مستشرقي ما بعد الاستشراق، ليكتبوا بيقين لا يقربه حتى أبناء البلد ممن منحهم الله فضيلة الشك ونعمة القلق والبحث المتأني. وحين أقرأ “اجتهادا” استشراقيا لا أتصور أن صاحبه سيؤجر إذا أخطأ، وأضحك على سذاجة من يريد أن يحكم على مصر جمال عبدالناصر مثلا بعد مشاهدة أفلام إسماعيل يــــاسين “في الجيش”، “في السجن”، “في البوليس”، “في الطيران”، “في الأسطول”، “في مستشفى المجانين”، ويقول: وجدتها! هذه هي مصر: السجن وسلاح الطيران والبوليس والأسطول ومستشفى المجانين.

يقدم لي هؤلاء خدمة من حيث لا يشعرون، فالخفة والاستسهال والجرأة على الفتوى، في قضية تحيّرني ولا أصل فيها إلى يقين، تصرفني عن كتابات لاحقة، في شؤون أخرى، ربما يكونون أكثر دراية بها وتخصصا فيها. ودائما يكون لعبدالناصر نصيب أكبر من هذه الفتاوى، في يناير حيث ذكرى ميلاده، وفي يوليو حيث تغيّر وجه مصر عام 1952، وفي سبتمبر حيث توفي عن 52 عاما.

يخلو تراث عائلتي وسيرتي مما يمكن أن يجذبني إلى محبة الرجل، فلم يستفد أبي من الإصلاح الزراعي، إذ كان اسمه واسم آخر يسبقه في قائمة انتظار، ونفدت الأرض الزراعية في قريتنا. كانت دارنا تخلو من أي كتاب، وفي الثالثة عشرة “اهتديت” إلى مجلة “الدعوة” الناطقة باسم تنظيم الإخوان، كانت يقينا، بل هي “اليقين” مع هداياها من رسائل حسن البنا ووصاياه، وتفسيرات “تلمودية” لذلك “الرجل القرآني” كما وصفه أحدهم في عنوان كتاب. أورثتني تلك القرءات المبكرة كراهية عبدالناصر، والإيمان بأنه لعنة على الإسلام، وأكثر سوءا من فرعون، وأنه غير مسلم. تغذي هذا “اليقين” بكتابات سيد قطب وأخيه محمد، وسير ذاتية لمعتقلين في “الغيستابو”، قبل أن نعلم أن يوسف ندا “مؤلف” كتاب زينب الغزالي “أيام من حياتي”، وردا على دهشة أبي العلا ماضي وصدمته في الملياردير يوسف ندا، وكيف “يفبرك” كتابا يفيض تلفيقا واتهامات لعبدالناصر وينسبها إلى الحاجة زينب؟ سأله ماضي: أليس هذا محرما دينيا؟ رد ندا “اللي تغلب به إلعب به”.

سنعلم، حين يدعو الإخوان في بيان، يوم 7 سبتمبر 2014، إلى الاحتفال بإحياء “ذكرى مريرة، وهي إعدام النظام العسكري في خمسينات القرن الماضي الشهيدين مصطفى خميس ومحمد البقري”، أن سيد قطب هو عراب الإعدام. كان عبدالناصر ويوسف صديق وزكريا محيي الدين يرفضون إعدام خميس والبقري، ولكن محمد نجيب وافق على إعدامهما بتشجيع من سيد قطب الذي كتب في “الأخبار”، في 15 أغسطس 1952، بعد 20 يوما على الثورة، مقالا عنوانه “حركات لا تخيفنا”، واصفا أحداث عنف في شركة مصر للغزل والنسيج بمدينة كفر الدوار يومي 12 و13 أغسطس بأنها مصطنعة “كسبنا المعركة من غير شك وكان أمر الله مفعولا… لقد أطلع الشيطان قرنيه. فلنضرب. لنضرب بقوة. ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب”. نشر المقال في صفحة “إلى المحرر”، مصحوبا بصورة لقطب بشاربه الهتلري، وقضت محكمة عسكرية بإعدام الشابين. روح التصحر والعدوان والتعطش إلى الدم انتقلت مع قطب من معسكر إلى آخر، فبعد ربيعه مع ثورة يوليو 1952، عاداها وخاطب شباب الإخوان “إن الطريق مفروشة بالأشلاء. لا، بل إنها مفروشة بالأشلاء والجماجم، مزينة بالدماء”.

أورثتني أدبيات الإخوان كراهية عبدالناصر، كراهية تحريم تسري في الدم، رغم تخففي كثيرا من التواصل مع مصادرهم، وتخصيص الجهد لقراءات في التاريخ والأدب والنقد، وكتابة القصة القصيرة. في سنوات الجامعة، نشرت قصصا في منابر ليبرالية وماركسية: الصفحة الأخيرة في العدد الأسبوعي لصحيفة “الجمهورية”، ومجلات “القاهرة”، و“إبداع” و“أدب ونقد”، ولم يتغير موقفي من عبدالناصر. كرهته 24 سنة، ثم أحببته 24 سنة تالية، أحببته “جملة”، بمزاياه وعيوبه، أعي إنجازاته وخطاياه. زرت الهند أربع مرات منذ عام 2007، كلما قلت “مصر”، ردوا “نعم، ناصر”، لا يعرفون غيره.

صاحبي في محمية الجزيرة ليس من الإخوان في شيء، ويعادي 30 يونيو. في ذكرى هزيمة 1967 كتب 11 كلمة “من يفرح في هزيمة الجيش في 1967 قليل أدب، وعديم الأخلاق”، فانهال جيش الإخوان الإلكتروني لعنات عليه، وعلى عبدالناصر، “الفرعون. هذا عقاب رباني”، “ألا تعلم أن الشيخ الشعراوي سجد شاكرا لله على تلك الهزيمة لأنها نتاج طبيعي لما فعله الملعون عبدالناصر ونظامه الكافر، فهل الشعراوي عديم الأخلاق؟ لا تكن فظا هكذا أخي الكريم، واختر ألفاظك قبل أن تكتبها فأنت مؤاخذ بذلك”، “عليّ الطلاق أنت اللي قليل أدب وعديم أخلاق.. أنت حاليا داخل في مرحلة انعدام الوزن وانعدام القيمة لأنك مش قادر تكمل طريقك اللي بداناه معاك!”، وبصرف النظر عن حاجة الردود إلى تحليل نفسي، فلا يعلمون أن الشعراوي اعتذر لعبدالناصر، وزار قبره عام 1995.

مصر بحمولتها التاريخية تستعصي على الهواة، وقد طالت هذه المقدمة قبل الوصول إلى مقال استشراقي عنوانه “انقلاب 1952”، كتبه “صحافي سعودي”، فذكّرني بروسي مسكين تباهى بما ينعم به الاتحاد السوفيتي من حرية، أيام بريجنيف، فوقف أمام الكرملين يشتم نيكسون. عزز المقال يقينه مستشهدا بمسلسل “الملك فاروق”، ورواية “بيرة في نادي البلياردو” المهمة لوجيه غالي الذي انتهى نهاية تراجيدية. زعْمٌ بائس عن “كوارث يوليو: حرب ممنهجة ضد التنوع والتعددية، تهجير أهل النوبة واضطهاد الأرمن، الهزيمة المذلة، تراجع الديمقراطية”.

كلما قرأت تهافتا تأكد لي أن عبدالناصر صخرة تجمع القوى الرجعية على تشويهها، نظرا لاستحالة التحطيم. أعلم أنه مات قبل 45 عاما، وأن مشروعه انتهى حين تواطأ السادات مع يمين ديني ورجعية نفطية عبرت عنها صحيفة “عكاظ” في الستينات بعنوان “جمال عبدالناصر كافر بالإجماع″. وسيجد أهل الحجاز ممن طال بهم الأمد كتابا ذا غلاف أخضر عنوانه “الجهاد في سبيل الله”، لأبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب. وأعلى اسم الكتاب ومؤلفيه: “المملكة العربية السعودية-وزارة المعارف”، لا يهم “الجهاد” في سبيل ماذا، الإجابة: داعش.

ولكل مستشرق صغير: “بص في ورقتك ”مع الاعتذار للتوانسة، وإذا كنت مسيحيا لا تجد في الحجاز كنيسة فلن أقول مثلك: هذه “حرب ممنهجة ضد التنوع والتعددية”، وإنما أذكرك بقول السيد المسيح “أخرج أولا الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك”، وعلى الله قصد السبيل.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر