الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

إيران المهزومة نوويا

المفاجأة المرة لخامئني لم تكن في الإذعان لشروط الاتفاق النووي، بل كانت في مفاجأة هزيمة المشروع الإيراني في اليمن. فأين انتصار إيران المزعوم.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/08/04، العدد: 9997، ص(8)]

مازال مهرجان الدعاية متواصلا حول انتصار إيران في الاتفاق النووي من قبل وسائل الإعلام الإيرانية، والأكثر حماسة هي وسائل الإعلام في بلدان العرب الموالية لإيران ولدى بعض المعلقين العرب. فإيران وفق مفردات هذا المهرجان وبعضه مدفوع الثمن هي “المنتصرة، وهو نصر الممانعة والمقاومة على أميركا وإسرائيل والسعودية، وبأن إيران ستصبح خلال الأيام القليلة المقبلة محجاً لدول الاستثمار الكبرى، بل إنها أصبحت إحدى الدول السبع الكبرى، وعلى العرب أن يتعاملوا مع هذه الحقائق الجديدة”. ولكثافة الضخ الإعلامي اليومي في المنطقة تصدر في بعض الأحيان مواقف وتعليقات سياسية رسمية من قبل البعض في المنطقة متأثرة بهذا المناخ وبردات فعل انفعالية وبخوف أحياناً من السوط الإيراني القادم من معارضيها خصوصاً في العراق الذي تشهد ساحاته العسكرية والمدنية انقساما كبيرا.

وإذا كان ما تقوله وسائل إعلام المركز في طهران وبغداد ودمشق ولبنان، حسن نصرالله، لا يمثل حقيقة الانتصار الكبير، فهل الحقيقة هي غيرها أو نقيضها، أي أن القبول الإيراني بالاتفاق هو بمثابة “تجرع خامئني للسم النووي كمرجعه الخميني عشية 8 أغسطس 1988 حينما قال “وافقت على تجرع كأس السم بالموافقة على وقف الحرب مع العراق”. لم يمر أسبوعان على توقيع الاتفاق النووي حتى بدأت تتسرب الكثير من المعلومات والوقائع من داخل الولايات المتحدة خاصة في أروقة مجلس الشيوخ الأميركي، وكذلك من الكثير من الباحثين في مراكز الدراسات القريبة من مراكز القرار الأميركي، أو المعنيين بالشأن الإيراني، كلها تشير إلى أن “إيران هي الخاسرة في هذه الاتفاقية” ولم يتمكن لاعبو المباحثات الإيرانيون (جواد ظريف ورئيسه حسن روحاني) من الوصول إلى أكثر مما تم التوصل اليه. والرواية الحقيقية بإيجاز هي:

تزعّم روحاني، بعد فوزه بالرئاسة، ملف عودة المفاوضات التي كانت متعثرة في عهد سلفه أحمدي نجاد الذي قاد حملة واسعة لبناء المفاعلات وأجهزة التخصيب بتوجيه من خامئني الذي كان يحلم بإنتاج القنبلة النووية، حيث كان يقول “أنظروا كوريا الشمالية ماذا تملك شعباً فقيراً لكنه يردع أميركا بالقنبلة النووية، وإيران إذا امتلكتها مضافاً لما تمتلكه من ثروات وعدد نفوس (80 مليوناً) فستنتصر الثورة الإيرانية لحين ظهور المهدي”.

ويعلق على قصة تحريم إنتاج القنبلة الذرية بالقول “اليوم أجتهد بذلك، وغداً يتغير الأمر حسب المصالح الإيرانية العليا” ولكن الصدمة التي أصيب بها خامئني هي خلاصة التقارير التي تقدم بها إليه كل من روحاني وظريف “بأن الذي نستطيع تحقيقه هو الذي خرجت به الاتفاقية في مجالات كمية وحجم اليورانيوم وإنزاله من 5000 كيلو إلى 300 كيلو، وإخراج البقية إلى روسيا وتنزيل درجة التخصيب إلى 3.5، وغيرها من التفصيلات التي أبعدت الإمكانيات الإيرانية الممكنة من سنة إلى ثلاث سنوات إضافة إلى الملف المهم وهو وضع كاميرات دائمة في المفاعلات، وإجراء تفتيشها بصورة فورية بعد إشعار الحكومة الإيرانية وكذلك المواقع العسكرية المشتبه بها، وإجراء مقابلات مع العلماء الإيرانيين المهمين.

وهذا الملف (التفتيش ومقابلة العلماء) رجت إيران أن تبقى بنوده سّرية، لتفادي إحراج خامئني أمام جمهوره، وتم لهم ذلك لكن معلوماته تسربت كالعادة، وصدم جمهور الإيرانيين بهذا التنازل، لكنهم أملوا بالأموال التي ستصلهم وتنعش حالهم المتردي.
مع ذلك فإن الولايات المتحدة لم تقدم لإيران قروضاً أو مساعدات أو غيرها، وما قامت به هو إطلاق تدريجي للأموال الإيرانية المجمدة، وهنا يوجد اختلاف في أرقامها لدى المسؤولين الإيرانيين ما بين 25 و100 مليار دولار. مع ذلك فقسم من هذه الأموال ويقدر بنحو 35 مليار لا بد أن يذهب كإيفاء لديون شراء مواد تجارية من الصين والهند وكوريا الجنوبية، وفي مجال النفط فإن القطاع النفطي الإيراني يحتاج إلى مشاريع تجديد القطاع النفطي ستنجزها بها شركة TOTAL الفرنسية.

هذه الوقائع لا تشير إلى “انتصار كبير”، بل إلى هزيمة الإخفاق في بناء القنبلة الذرية الموعودة، وإلى رضوخ لاستجواب العلماء والتفتيش الفوري والخوف من السيناريو العراقي الذي امتد من عام 1991 وحتى سقوط النظام 2003. ولعل المسؤولين الخليجيين، وفي مقدمتهم السعوديون قد عرفوا هذه الحقائق مباشرة من الأميركان، ولهذا لوحظ ارتياح تدريجي لدى تلك الدول ومن بينها (السعودية والإمارات) رغم تشديدهما على ضرورة وضع ضوابط شديدة على المراقبة، كما أن سلطنة عُمان كان لديها علم مسبق بذلك، حيث لعب وزير خارجيتها يوسف علوي دوراً في زياراته المكوكية. هذه هي القصة فلماذا كل هذه الدعاية المضخمة؟ أهي من أجل تحويل الأنظار عن الهزيمة-الصدمة في اليمن التي فاجأت خامئني، وهو الذي كان يحلم أن يجتمع (الخراساني وخامئني واليماني وعبدالملك الحوثي في المدينة) بعد سقوط الرياض ومكة.

وقبيل سقوط صنعاء بيد الحوثيين بثلاثة أيام، قال عضو البرلمان الإيراني علي رضا كازاني أمام حشد طلابي “ثلاث عواصم عربية أصبحت اليوم بيد إيران، وصنعاء أصبحت في طريقها للالتحاق بالثورة الإيرانية، وبعد ذلك ستمتد بعد نجاحها إلى داخل السعودية”. كما قال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري بتاريخ 31 ديسمبر 2014، “إن في العراق وسوريا واليمن جيوشا شعبية مرتبطة بإيران يبلغ حجمها أضعاف حزب الله في لبنان”.

لقد كانت العملية العسكرية السعودية رغم المآسي التي تلحق بشعب اليمن بمثابة هزيمة لخامئني. حيث سبق للمملكة العربية السعودية أن قدمت عرضاً للحوثي بأن يأخذ رئاسة الوزارة وخمس وزارات، لكن خامئني منعه ووعده بأن يكون حاكم اليمن، مثلما هو حال حسن نصرالله في لبنان، كما سبقتها الهزيمة في البحرين، حيث كان السيناريو المعد هو القيام بتظاهرات كبيرة وواسعة تزحف نحو القصر الملكي وتسقط الملك وتقيم حكومة الجمهورية الإسلامية البحرينية، لكن التدخل العسكري السعودي أسقط المشروع. المفاجأة المرة لخامئني لم تكن في الإذعان لشروط الاتفاق النووي، بل كانت في مفاجأة هزيمة المشروع الإيراني في اليمن. فأين انتصار إيران المزعوم؟

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر