الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

بقايا الثورات التموزية في العراق

نصف العراق بيد داعش، والنصف الآخر بيد دواعش المنطقة الخضراء والميليشيات، والشعب كأنه يتأمل منصة عرض الأزياء السياسي بتصاميمه الغريبة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/08/04، العدد: 9997، ص(8)]

ترتفع درجات الحرارة وتبلغ ذروتها في شهري يوليو وأغسطس، لتصل إلى ما فوق الخمسين درجة مئوية في بغداد والبصرة ومدن عراقية أخرى، ويموت الكثيرون دون إحصاءات تذكر من مراكز الدراسات أو البحوث أو الإعلام، بل تتندر القنوات الفضائية لشعب يتناول الشاي الساخن وسط الشمس اللاهبة والازدحامات المرورية، مع ترد سافر في الخدمات، ومنها ما يثير الأعصاب، ونعني بها معضلة توفير الطاقة الكهربائية وتدهور إنتاجها ونقلها وتوزيعها، على الرغم من تجاوز المخصصات المالية 50 مليار دولار في سنوات ما بعد الاحتلال، وهي مبالغ لو استخدمتها أي دولة حكم رشيد لوفرت الطاقة لضعف نفوس العراق.

درجات الحرارة في غضون العشرين أو الثلاثين سنة الماضية، شهدت ارتفاعاً ملحوظاً يقابلها تدهور في منظومة إنتاج الكهرباء بسبب الحروب ومتغيرات في البيئة تشخصها المنظمات المعنية، المحلية والدولية، بتسميات التصحر وتمدده، وقلة النباتات الطبيعية وتفتت التربة والرعي الجائر وقلة المياه ونسب الأمطار وتجفيف الأهوار لسنوات وتناقص الفيضانات في مواسمها، إلى عوامل أخرى غير منظورة منها غياب الحدائق المنزلية لصالح البناء المتعدد لمعالجة مشاكل السكن وتعدد الأسر وانشطارها وانعدام المساحات الخضراء.

وعدم وجود سياسات مهتمة بزراعة المصدات الطبيعية من أشجار الكاليبتوس وغيرها المقاومة للجفاف على شكل أحزمة أو حتى غابات كما كان معمولاً بذلك في عهود سابقة، كقيام طلاب المدارس في مختلف المراحل وحتى الجامعات، بزراعة نبتة أو شتلة شجرة في عيد الربيع وكان يسمى عيد الشجرة، وهذا النشاط يحظى باهتمام الدول لما فيه من إعادة إحياء تقاليد وتعاليم احترام الطبيعة والحياة والارتباط بالأرض بذاكرة خاصة في معاني الانتماء للوطن، بعيداً عن الشعارات ونفاق الساسة المعروف في محصلته ونتائجه السلبية في حياتنا ومجريات واقعنا.

العراق في مطلع الخمسينات كان عدد نفوسه قرابة خمسة ملايين نسمة، وعدد نخيله يقارب 30 مليون نخلة كغابات تغطي مساحات كبيرة من أراضيه، خاصة في البصرة. أعداد النخيل اليوم ربما أقل من 3 ملايين، والعراقيون، عموماً، كانوا يتبرمون من درجات الحرارة المرتفعة ويربطونها بأيام معدودة، يعرفون تسميتها ويقسمونها إلى أرقام متواليات عشرية، كثير منها يتعلق بأنواع التمور وأصنافها التي تتجاوز المئات، لأنهم على دراية أن نضجها يحتاج إلى درجات حرارة معينة، حتى أن معظم البغداديين يتندرون فيما بينهم حول تبادل تمر بلادهم بانخفاض درجات الحرارة.

الثورة على الظلم والفساد ليست حراماً، والشعوب الحية ربما لا تحتاج إلى أسباب كثيرة للثورة، وهي ليست مزاجاً مؤقتاً

الكهرباء ليست مزحة ومفارقة دلال وغنج لعوائل وأطفال، هناك مشاكل لا ينتبه لها العالم المتنعم، تصل إلى الموت والأمراض والتلوث وفقدان الأعصاب، وفقدان الأعصاب هذا لا علاقة له بالمحاصصة الطائفية، وهو يوحد العراقيين ويعيدهم إلى رغبتهم بالثورة، لكن بمطالب متكررة في كل تموز من كل عام، وربما يقتل متظاهر وآخر، وسرعان ما ننتبه إلى أنه متآمر أو من أتباع النظام السابق الذي تم الانقلاب عليه في ربيع 2003 لأن “الثوار الأميركان يحبون الجو البديع ثم يقفلون على كل المواضيع”.

دولة مشابهة للعراق، تقترب منها في النفوس والمساحة، وهي إحدى دول الاتحاد السوفيتي وجدت نفسها بعد التفكك، بلا محطة توليد طاقة كهربائية واحدة، فتعاقدت، بنزاهة ومهنية، مع ثلاث شركات كبرى وتم توفير كل احتياجاتها وفائض لسنوات قادمة خلال أقل من سنة، وبدأت ثورة الصناعة والإعمار لخدمة مستقبلها ووضع خطط متوازنة بدأت بالكهرباء، لأنها تعلم معنى الأولويات وكانت ثورتها في سنتها الأولى ثورة الطاقة، عصب الحياة والتنمية في كل المجالات.

ثورة البصرة وغيرها، هي ثورات درجات الحرارة، وليست ثورة شعب ضد الفاسدين، والمقصود بهم الساسة والمنتفعون، وهؤلاء لا ينتجون أبداً مشروع شعب، بل ينتجون مشروعهم الخاص مع أحزابهم اليتيمة التي بلا قواعد أو جذور متأصلة في الشعب، لهذا في العراق تزداد حركة دفع الناس إلى معارك متعددة منها التفاضل بين زعماء العراق السابقين، وصولاً إلى التفاضل بين الخلفاء الراشدين، وهناك من يترحم على نوري السعيد، ومنهم من يمجد الزعيم عبدالكريم قاسم، وآخرون يعددون مناقب صدام حسين حتى من أعدائه، والتدافع الآخر يتكدس على أبواب المرجعيات الدينية فهي الرجاء، يلوذون بها في الدنيا من الساسة، ويتشبثون فيها وهم في طريقهم إلى الآخرة والغريب أن أول المتدافعين هم ساسة العراق.

والناس يتقربون إلى النخب المالية، وهي سياسية بامتياز، اتخذت من العمل في السياسة طريقها إلى الثراء والفساد والإفساد، وتملكت زمام خفايا العمل السياسي في العراق، وصلت إلى بيع المناصب وشراء المقاعد الوزارية أو البرلمانية أو القيادات العسكرية.

بعد كل العشو الليلي والنهاري الذي أصاب شعبنا، أصبح من الصعب الانتباه إلى الظواهر العامة المتغيرة في مجتمعنا، التي أبدلت طبيعة الحياة وحركة الناس وتواصلهم، وانعدمت العافية والصحة في الوزارات والمؤسسات التابعة للدولة الغائبة، وصولاً إلى البيت العراقي، بما يشبه مرض الانفصام في الأسرة الواحدة، أو بين الفرد المصاب بخيبة الأمل من وجوه السياسيين الذين لا يقدمون له إلا المعاناة والخوف والجوع والاعتقال والموت.

لشعب العراق أؤكد، أن الثورة على الظلم والفساد ليست حراماً، والشعوب الحية ربما لا تحتاج إلى أسباب كثيرة للثورة، وهي ليست مزاجاً مؤقتاً ورغبة، وعند زوالها تنتهي لتنصرفوا إلى أرزاقكم وزهدكم ولتستريحوا 10 أشهر في السنة لتفكروا للخروج في تظاهرة خجولة، مطالبين بفدرلة وعدالة توزيع ساعات بث رحمة الكهرباء.

نصف العراق بيد داعش، والنصف الآخر بيد دواعش المنطقة الخضراء والميليشيات، والشعب كأنه يتأمل منصة عرض الأزياء السياسي بتصاميمه الغريبة المصممة للعرض فقط، لأن الشعب لا يمكن أن يرتديها في الشارع أبداً لأنها عارية، عارية جداً حتى ولو في درجة ثورة

الحرارة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر