الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

ملوك الصمت في اللوحات

صمت “الملك” في اللوحات العربية مقرون بصبر لا تُرى له تشنجات، لا بل له براعم قدرية تنمو من يقين الخلاص والانتصار على الوحوش المتربصة به.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/08/06، العدد: 9999، ص(16)]

يوم رسم الفنان النرويجي إدوارد مونش لوحته الشهيرة التي تحمل اسم “الصرخة” تسبب في بلبلة كبيرة ومحاولات متعددة لقراءتها، لتصبح لوحة عالمية تحرك مخيلة المبدعين إلى يومنا هذا.

وجد النقاد في هذه اللوحة تمثيلا مباشرا لصرخة وجودية أطلقها الفنان في وجه الوحدة والقلق، خاصة على خلفية الأزمات النفسية التي ما برح الفنان يصارعها حتى يوم وفاته. ومع ذلك تكمن قوة هذه اللوحة ليس في ذلك، بقدر ما تكمن في هذه الصرخة المرسومة وغير المسموعة والتي يطلقها من فم شلّه الرعب.

تحيلنا هذه اللوحة إلى الكابوس الذي يراود أي إنسان ولو لمرة واحدة في حياته. كابوس يرى فيه نفسه تصرخ دون صوت، ودون مغيث يتقدم نحوها. لعل هذا الصراخ “الصامت” هو جلّ ما تختنق به آفاق لوحة إدوارد مونش، وهو شبيه بضجيج الصمت المُتمثل في وجوه شخوص رسمها فنانون تشكيليون عرب في لوحات جسدت المأساة الإنسانية، خاصة بعد تراكم آلامها في ظل الصمت العالمي.

نذكر من هؤلاء الفنانين اللبناني منصور الهبر، اللبنانية أنني كوركيجيان، العراقي صادق الفراجي، الفنان السوري صفوان دحّول والفنان السوري عبدالله العمري في معظم لوحاته التي يجسد فيها الطفل السوري، هذا المُقيم- الملك في جحيم القتل اليومي، في لوحات يطغى عليها صراخ العينين وامتناع الشفتين عن أي همسة لوم أو ألم.

وإذا كان الصمت الذي اتسم به العالم على مدى السنين هو صمت ذليل وعقيم لا براعم له، فصمت الشخوص في عدد كبير من لوحات التشكيليين العرب هو كمثل صمت ملك نبيل تحلى بالحكمة التي اجترحها من خبراته الشخصية، ريثما يسيطر على النيران التي شبت في قصره.

صمت “الملك” في اللوحات العربية مقرون بصبر لا تُرى له تشنجات، لا بل له براعم قدرية تنمو من يقين الخلاص والانتصار على الوحوش المتربصة به.

أما إذا كان الفنان النرويجي إدوراد مونش قد عبر في لوحة “الصرخة” عن آلام نفسية عايشها طويلا، فإن الصرخة الصامتة التي يطلقها إنسان اللوحة العربية لها نبرة مُحارب يقصي خارج دائرة البصر والتأويل كل ما لا يمتّ إلى بطولة صمته بصلة متينة. لا حضور في اللوحات إلاّ لهذا الصمت الصامد في وجه الموت اليومي. الصمت الذي يبث عطره في نفس الناظر فيدعوه إلى التماهي مع رؤاه.

يقول الفنان التشكيلي منصور الهبر “الصمت هو حالة جديدة للوجود”. عايش هذا الرسام اللبناني جميع فصول الحرب اللبنانية واستل من أتونها هدوءا “تصفّح” به ضدّ الأزمات المتتالية التي تشعبت ولا تزال من حرب لم تلق بعد كل أوزارها.

تبدو الكائنات البشرية في معظم لوحاته في حركة طواف فوق الألم المحيط به كتيارات مائية جارفة. ترمق المشاهد بنظرات ساكنة وناطقة على حدّ سواء. نظرات تقول “اطمئن، لست بغريق!”.

للفنان العراقي صادق الفراجي حوار من نوع آخر مع الصمت، فقد كثّف حضوره في لوحاته المتتالية جاعلا منه الناطق الأول والأخير بنظرات كائناته الشعرية المُتمثلة بخيال الظلال. كائنات لا خوف عليها من الهزيمة، لأنها تكتنز طاقة مغناطيسية “تُخدر” من أراد بها سوءا.

ليست تلك الطاقة المغناطيسية التي تشع من كائناته طاقة سحرية، بل مردّها طول التكيف مع المأساة العامة والرغبة في النجاة منها. أما شخوص الفنان صفوان دحول فلعلها أبلغ من عبر عن الصمت الملائكي أمام الشر بالمعنى المُطلق للكلمة.

لعل اللوحة التي يرسم فيها ملاكا عملاقا و”بشريا” ينظر من عليائه وبعينين واسعتين وساكنتين إلى أطفال سوريين قتلوا بالأسلحة الكيمياوية، هي الأكثر تعبيرا عن منطق الصمت في أعماله. إنه الصمت المدوّي الذي يعيد ابتكار الإنسانية من رحم موتها الدامي.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر