الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الهجرة المغربية والتطرف

الأمر بات يستدعي وضع سياسة جديدة في مجال الهجرة، تعمل بشكل متناسق على مختلف الأصعدة، وتعيد تجديد الخطاب الديني، بمراعاة السياق الثقافي واللغوي في الغرب نفسه.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/08/07، العدد: 10000، ص(9)]

في شهر يناير الماضي كشف “المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي” أن 1200 مغربي من حاملي الجنسية الأسبانية والمقيمين في أسبانيا التحقوا بصفوف الجماعات المسلحة في سوريا، وعلى رأسها تنظيم”داعش”، ولأن ما يزيد على السبعين في المئة من المسلمين في أسبانيا، الذين يتجاوز عددهم المليون، هم من أصول مغربية، فإن الأنظار هنالك تتجه ناحية المغرب باعتباره بلدا مصدرا للجهاديين؛ نفس الحالة بالنسبة إلى إيطاليا، حيث عدد المغاربة يفوق عدد الجنسيات الأخرى من المهاجرين المسلمين. أما بالنسبة إلى فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا، فإن غالبية المهاجرين الذين يلتحقون بصفوف”داعش” في هذه البلدان هي من المغاربة، ويقدر عددهم بحوالي ألف شخص، وإذا صدقت التقارير التي تقول إن عدد المقاتلين القادمين من البلدان العربية في صفوف هذه الحركة الإرهابية يناهز الخمسة آلاف، يكون عدد المغاربة تقريبا الثلث، والثلث كثير. بل إن تقريرا أصدره مركز”سوفان”، الذي يوجد مقره في نيويورك، في شهر يونيو من العام الماضي نقل عن مقاتل من”داعش” في اللاذقية بسوريا أن المغاربة يأتون في الدرجة الثانية بعد الشيشانيين، الذين يتصدرون لائحة المقاتلين الأجانب داخل سوريا.

لقد أصبحت ظاهرة تجنيد المغاربة المهاجرين في صفوف الجماعات المسلحة مثيرة للمخاوف، فبعد عقد من الزمن أو أقل سيكون على المغرب أن يواجه مصيرا صعبا، يتمثل في إعادة طرح قضية الهجرة في علاقتها بالهوية الدينية والوطنية بشكل جذري، لأن منسوب التشدد الديني صار يعلو على نحو مطّرد، ومعه تزايد الميل نحو التشيع، بسبب حجم التمويل الإيراني على دعم خط التشيع في أوروبا في صفوف المسلمين المهاجرين. وعلى سبيل المثال، لم يكن عدد المغاربة خلال الحرب الأفغانية ضد الروس في الثمانينات من القرن الماضي يزيد على 1500 شخص، إذا اعتبرنا تلك المرحلة بداية عولمة الظاهرة الجهادية، لكن حجم المهاجرين بين هؤلاء كان قليلا جدا؛ اليوم انعكست الظاهرة، وتزايدت الأرقام، بحيث صارت نسبة المغاربة المهاجرين الذين يلتحقون بجماعات العنف والتشدد الديني أكبر من نسبة البلديين.

نفس الشأن بالنسبة إلى التشيع، إذ قبل ثلاثة عقود، على سبيل المثال، لم يكن أحد يتحدث عن شيعة مغاربة، وكانت الموجة الأولى للتشيع ذات نبض سياسي فحسب، ومقتصرة على صفوة تعد على رؤوس الأصابع، بسبب التأثر بالثورة الإيرانية، أما اليوم فقد أصبح الحديث عن الشيعة المغاربة أمرا طبيعيا، وجزء كبير من هؤلاء من المهاجرين في البلدان الأوروبية، الذين تعتبرهم الدعاية الإيرانية زبائن مفترضين للخطاب الشيعي.

يعكس كل ذلك التحول الدراماتيكي الذي أصبح يحصل على صعيد الهجرة المغربية في الخارج. لقد عاش الجيل الأول من المهاجرين في كنف خطاب وطني ومشترك جماعي، كما أنه عاش في ظل ظروف دولية مختلفة عن الظروف الحالية، علاوة على أن المستوى التعليمي لهؤلاء لم يكن يمكنهم من استيعاب التحولات العالمية لتلك المرحلة، ولا حتى التعاطي معها. أما الجيل الثاني فقد واكب حقبة الصراع من أجل فرض الذات في مواطن الهجرة، ولذلك انصب اهتمامه بوجه خاص على تثبيت وضعه والدفاع عن موقعه؛ بينما حقق الجيل الثالث حلم الجيل الأول في الاندماج، وأصبح جزءا من البنية الديمغرافية لأوروبا، ولذلك تتنازعه ميولات متعددة، بسبب انفتاح الأسواق الثقافية والدينية في أوروبا على كل وافد، والأخطر من ذلك أن الهوية الدينية والوطنية لم تعد هي نقطة المركز بقدر ما تحولت إلى واحدة من الهويات المتصارعة، بسبب غياب وحدة المرجعية في ساحة مفتوحة الأبواب أمام جميع التيارات الدينية والمذهبية.

يرجع أحد أسباب هذه المشكلة اليوم إلى اختزال موضوع الهجرة في البعد الاقتصادي، وإغفال الأبعاد الأخرى الأكثر أهمية، ومن بينها الجانب المتعلق بالهوية الدينية، الأمر الذي أدى إلى عدم الاستثمار في ملف الهجرة باعتبارها امتدادا طبيعيا للهوية الدينية في الداخل، من أجل تحصين الجيل الجديد من التيارات المذهبية المختلفة وتسرب نزعات التطرف، التي تستغل هشاشة البناء الثقافي لأبناء المهاجرين وتجعلهم صيدا ثمينا لأصحاب الغلو الديني.

ولا شك أن الأمر بات اليوم يستدعي وضع سياسة جديدة في مجال الهجرة، تعمل بشكل متناسق على مختلف الأصعدة، وتعيد تجديد الخطاب الديني وتحديثه، بمراعاة السياق الثقافي واللغوي في الغرب نفسه، مع إدراك الاختلاف بين الخطاب الديني في مجال الهجرة، والخطاب الديني على مستوى الداخل، لأن اختلاف السياقات يستلزم اختلاف آليات العمل.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر