السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

المرزوقي والغرب و'تشيئة السياسي'

أليس من المفارقة أن يهيكل المرزوقي لخطاب 'ثوري' جوهره الإبداع والخلق والتأصيل في سياق خطابي 'طبيعي' كينونته 'التكرار' و'السببية الحتمية'.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/08/07، العدد: 10000، ص(9)]

ما بين مقولات “البركان” و”الإعصار” وعبارات “المدّ والجزر” للرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، معان عميقة بعيدة عن الفعل الحجاجي الرامي إلى تقريب الصورة السياسية عبر إيجاد نقاط تقاطع معها في الطبيعة الحياتية. ذلك أنّ تمسّك المرزوقي بالحيثية التمثيلية الطبيعية للفعل السياسي يشير إلى عقلية سياسية إستراتيجية، ومنظومة فكرية متكاملة ينتمي إليها المرزوقي، وليس فقط إلى عمل لغويّ في المحاججة والبرهنة. هو العقل السياسي التفكيكي بمقتضى الطبيعة والأكوان، فلا يفسّر الأمور إلا بمقتضى الحواس التي يدركها أمامه والذوات القائمة حياله، فإذ به يجترح من الطبيعة نظريات لتفسير المشهدية السياسية، فكأنّ الفعل الإنساني محاكاة للجغرافيا والجيولوجيا.

يسعى العقل “التماثلي” للطبيعة والأكوان إلى البحث عن قانون ومقتضى يتحكّم بالفعل السياسي الذي هو في المحصلة فعل إنساني نسبيّ تختلف مسلكيته باختلاف فاعله وبتباين المحددات المؤصلة لكيانه، ليسقط بذلك في أكبر مفارقة معرفية ابستيمية قوامها “تقنين الإبداع الإنساني” و”قولبة الاجتهاد البشري”، وليسقط أيضا في مفارقة أعتى قوامها التضييق على الإنسان في سياق الحديث عن حرية الإنسان وثورته وأحقيته في كسر ربقة التخلف والاستبداد والتبعية. أليس من المفارقة أن يهيكل المرزوقي لخطاب “ثوري” جوهره الإبداع والخلق والتأصيل في سياق خطابي طبيعي كينونته التكرار والسببية الحتمية والنمطيّة.

الخطير في هذا السياق التفسيري كامن في التقاطع بين الرئيس السابق والفضاء الحضاري الراهن القائم على التشيئة، بمعنى تحويل الإنسان والإنسانية إلى أشياء يسهل التحكم بها والإحاطة بردات فعلها، وهو هدف سعت القوى الإمبريالية إلى تحصيله في العالم العربي في سبيل تحقيق هدفين، الأوّل تحويل الفضاء العربي إلى ساحة استهلاكيّة للمواد الغذائية وللشركات الكبرى، والثاني تحويل الإنسان العربي من فاعل إلى مفعول به محكوم بالهزيمة الحضارية للعرب ولا يفكر إلا وفق السقف الغربي المقبول به.

على مدى أكثر من نصف قرن عملت المنظومة الغربية على “التشيئة السياسية” وتفسير الفعل السياسي وفق قوالب طبيعية، فمفهوم “البطة العرجاء” تستخدمه الأدبيات الأميركية لتفسير حالة الانحسار السياسي وانعدام الخيارات بين الجمهوريين والديمقراطيين، كما أنّ عبارة “المستنقع العراقي” استخدمت أميركيا وغربيا، لاختزال المشهد العراقي في مقولة “المستنقع".

اللافت أنّ الأدبيات الأميركية اجترحت مصطلحات “لرعاة البقر” لنعت حرب 1967، حيث تؤكد الدراسات أنّ واشنطن اتفقت مع تل أبيب على تسمية الحرب بعبارة “أطلق سراح الكلب الجائع"، في إعادة تصوير للواقع على أنّ “إسرائيل” هي كلب لصاحبه الأميركي الذي سيطلق سراح الكلب الجائع لينهش لحم الخرفان العرب. كما أنّ إطلاق تسمية “ثعلب الصحراء” على حرب الخليج الثانية لم يكن تمثيلا لواقع، بقدر ما كان من صلب العقل الأميركي القائم على التشيئة والتقنين. من رحم هذه المدرسة، يتكلم المرزوقي عن الزلزال والإعصار والمدّ والجزر، ومن صلب هذه المقاربة يستمد آليات التفكير والتقييم.

لسنا بصدد مصادرة الفعل الحجاجي من قيمته التمثيلية والتماثلية في تقريب الصورة غير الواضحة بصورة محسوسة، ولكن الخطاب السياسي لا يقف عند فعل “الأقوال”، فالأمثلة والألفاظ شاهدة على “المنظومة المعرفية” لصاحبها وعلى أفق تفكيره. على الحريصين على ما تبقى من أمن قومي عربي، ألا ينتظروا من خريجي “الخارجية الأميركية” من قادة جدد للعالم العربي أن يتحدثوا بلكنة غربية، ولكن عليهم يتبصروا في جملهم ففيها رائحة الغرب والتغرب والغربة عن أوطانهم وإن تكلموا بلسان عربي مبين.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر