السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

مصر وقطر وبينهما السويس 2 والإخوان

تدرك الدوحة كما أنقرة أنّ نجاح مشروع قناة السويس 2، يعني نجاح نموذج البناء دون الإخوان، ويقضي أيضا بفوز المشروع الوطني المصري دون أي تدخل قطري تركي في المشهدية المصريّة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/08/11، العدد: 10004، ص(8)]

أيام قليلة عقب تدشين قناة السويس الجديدة التي بنت أوّل لبنات المصالحة المصرية مع الجوار والمجتمع الدولي وأعادت خلط الأوراق الاستراتيجية في المنطقة، حرّكت الدوحة خيوط المشهد المصري الداخلي مستحضرة “أزمة” التيار الإخواني في مصر لا على سبيل تقديم الرأي والمقاربة حيال الواقع السياسي المصري، وهذا من حقّ أي دولة في العالم، وإنما من زاوية منع أي “مصالحة” مصرية مع ذاتها، والشروع في البتّ في القضايا المحلية الكبرى.

استشهاد الدبلوماسية القطريّة على لسان وزير الخارجية القطري خالد العطيّة بالحالة الإخوانية في مصر، يتنزّل في سياق منع إتمام المصالحة المصرية مع العالم عبر التذكير بما يسمى ادعاء بـ”المظلوميّة” الإخوانية ما بعد 30 يونيو. فلئن تمكنت القاهرة من مخاطبة عواصم المعمورة قاطبة بلغة المصالح مجسدة في قناة السويس، وتحوّلها في أقل من عام إلى لاعب إقليمي هامّ وبالتالي استعادتها لمكانتها المعهودة عقب القطع مع سياسة الارتهان إلى المحاور المعتمدة من أنور السادات إلى حسني مبارك وصولا إلى محمد مرسي، فإنّ الرهان القطري، والتركي أيضا، يكمن في الحيلولة دون تمكن القاهرة من مخاطبة ذاتها محليا، ودون تجاوز مرحلة الإخوان حقيقة ورمزا وخطابا وسياسة ومحاور.

تدرك الدوحة كما أنقرة أنّ نجاح مشروع قناة السويس 2، يعني نجاح نموذج البناء دون الإخوان، ويقضي أيضا بفوز المشروع الوطني المصري دون أي تدخل قطري تركي في المشهدية المصريّة، مما يعني فشل المشروع القطري التركي في المنطقة والكامن في الرهان التام على الإسلاميين واعتبارهم الجزء الأهم في السياسة والاقتصاد والثقافة.

بهذا المنطلق تكون تصريحات خالد العطية عبارة عن وضع للعصا في عجلة طائرة ستحلق في السماء بعيدا عن كافة “أماني” إخوان الإخوان. المفارقة في هذا السياق، أنّ كافة الوساطات السياسية التي قادتها الدوحة خلال العقد الفارط على الأقل، باءت بالفشل ولم يصمد أي اتفاق في وجه استحقاقات الداخل وإكراهات الخارج.

سقط اتفاق الدوحة لحل أزمة لبنان (2008) رغم كافة الجهود السورية والسعودية لإنجاحه، وكانت حكومة “سعد الحريري الأولى” حكومة ترضيات داخلية وتسويات إقليمية سرعان ما سقطت عند أوّل تباين خارجي.

أيضا، سقطت الوساطة القطرية بين الفرقاء السودانيين في مايو 2011 (حكومة البشير وحركات التمرد في دارفور)، بعد أن أدار الفريقان ظهريهما لنصوص الاتفاق الأولي وعادا إلى لغة السلاح واهمين في الحسم العسكري.

بدورها باءت الوساطة القطرية في الملف الفلسطيني بالفشل الذريع، حيث لم يصمد إعلان الدوحة في فبراير 2012 أمام “إرادة” الانقلاب في غزّة.

ويبدو أنّ الانسحابات والاستقالات المتتالية من فرع قيادة “طالبان” في الدوحة، ومغادرة أبرز القيادات قطر نحو أفغانستان لمعاينة إعادة ترتيب البيت الطالباني من الداخل، من شأنها أن تعصف بالوساطة القطرية بين طالبان وكابول وتأتي بذلك على جهود نحو 4 سنوات كاملة من وساطة حكومتي حمد وابنه تميم.

بهذا التأصيل تكون الدوحة مفتقدة تاريخيا وسياسيا، ذاتيا وعضويا، لمحددات وشروط الوسيط النزيه والناجح أيضا، الأمر الذي يدفعنا إلى الإقرار بأنّ تصريحات وزير الخارجية القطري بعيدة عن الوظيفية الوسائطية، وقريبة من فعل المناكفة والتصعيد السياسي ضدّ القاهرة والإمعان في التأليب الدولي ضدّها.

مشروع قناة السويس2، قد يكون واحدا من المشاريع القادرة على تغيير الصورة الإعلامية النمطية لمصر ما بعد 30 يونيو، المتمثلة في صورة “الدولة” المتسوّلة من بلدان خليجية ثريّة وإرساء صورة ذهنية جديدة متشكلة في أنّ مصر تنفق مما تستثمر وتأكل مما تعمل.

السويس 2 صالح الجغرافيا بالتاريخ، صالح بين مصر الحضارة والأصالة مع مصر الحاضر والراهن، لذا فمن المنطقي أن يرتعد من لا تاريخ له وأن يخشى من لا حاضر له، فكلاهما يخسران راهن اليوم ورهان الغد. مصر تدخل العالم من باب الأقوياء، ذلك أنّ الدول الكبرى قد تتضامن مع الضعيف مرّة، ولكنها تتضامن مع القوي ألف مرّة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر