الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

العراق: طواف التحرير والشركات القابضة

ما يدعو إلى الدهشة، التوجه إلى المرجعية الدينية في العراق لإيجاد دولة مدنية، وهي مرجعية رمزها الطائفة، ولا تمثل مجمعا فقهيا للمذاهب في العراق.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/08/11، العدد: 10004، ص(9)]

تساءلت عن ثورة الحرارة أم الحرية، مع أول تظاهرة تموزية نظمها الانفعال العام لارتفاع درجات الحرارة وتجاوزها معدل نصف درجة الغليان، وفي ظل غياب شبه كلي أو معدوم للطاقة الكهربائية التي تعمل كمصدات للغضب في حال توفرها.

امتدت التظاهرات مع توقف منظومات التوليد عن العمل إلى محافظات أخرى، والأهم ساحة التحرير في بغداد، وهي لمن لا يعرفها مجرد حركة سير أو طواف حول الساحة المنخفضة عن الأرض، ومن بقايا مشاريع النهوض العمراني في منتصف السبعينات وتم الإبقاء عليها كممر أو نفق للسيارات من جهتين للذهاب والإياب، واستغلت المساحات المتبقية حينها في إنشاء المحلات والحدائق وخدمات يمكن الوصول إليها عبر سلالم حديثة بعضها متحرك، لكنها مع الحصار تحولت إلى مكان غير صالح للخدمة الإنسانية وفقدت بغداد أجمل معالمها.

في 25 فبراير 2011 لم يكن يفصل المتظاهرين عن المنطقة الخضراء رمز الاحتلال سوى جسر الجمهورية، ما حدث حينها كان موجة لربيع الياسمين في تونس والأهم، مصر، بساحة تحريرها وما قلبته من موازين النظام السابق، وأحدثت هزة في القناعات اليائسة من أن الشعوب فقدت دورها أمام قادة تناسوا أنهم يمثلون طموحات شعبهم.

قُتِل من قُتِل في بغداد وغيرها من المحافظات، لكن ذلك لم يفتح لرياح التغيير باباً، ربما لوجود المحتل أو لثقة الحكومة والأحزاب أن الربيع في العراق قد تجاوزهم بالاحتلال الأميركي وفكرة الخلاص من النظام السابق على يد الأجنبي، يومها لم يكن هناك مانع من أداء دور القاتل الكابح لغضب الجماهير لاستنادهم على كذبة الديمقراطية، وما صَدَعَنا به الرئيس الأميركي جورج بوش عن شرعية الحكومة المنتخبة من الشعب.

على كل حال، الخطاب الذي ألقاه باراك أوباما في كلية الخدمة المدنية الأميركية قبل أيام، اعترف فيه بالغزو وخسارة الحرب ووصفها بالقرار الخاطئ، وأن ما أدت إليه كان خدمات لتسهيل أو لتمكين إيران من السيطرة على العراق، وأن الديمقراطية لم تكن نعمة للعراق، إنما أوقعت به في قبضة الحرب الطائفية وقبضة الحرب على الإرهاب.

واقع متغيرات السياسة الدولية، وتوقيع الاتفاق حول النووي الإيراني، والإحساس المتزايد لدى روسيا وإيران بتنامي وتصاعد أو نضج الطبخات على الأرض السورية بقرار السماح للطيران الحربي الأميركي بحماية مقاتلي المعارضة المدربين من قبل القوات الأميركية وفق الاتفاق مع تركيا، كذلك التحرك العربي في اليمن والتقارب السعودي الروسي ومباحثات وزيري خارجية أميركا وروسيا، وخطاب الحاكم السوري وبعض مفرداته الضمنية الاعتراف بالحقائق بعد أربع سنوات من الاستنزاف، وعبارته “الأرض لمن يدافع عنها” وهي إشارة إلى أن سوريا تحت الوصايا الإيرانية بكل مداخلاتها.

ما صدر من تصريحات للعديد من المسؤولين العراقيين تكشف مخاوفهم من واقع أفرزته التظاهرات على بساطة توجهاتها، لكن ما حصل أنها امتدت ورفعت شعارات يمكن أن تتحول إلى صرخة تهز قادة الفساد والسراق الذين أثروْا وفقست فراخهم بمباركة الشركات القابضة المتعددة.

اتسمت التظاهرات بكثير من الكاريكاتورية نتيجة اليأس من الإصلاح، وتداخلت مع هتافات منفلتة في الإساءة للشخصيات الحاكمة، رافقتها في إحدى مدن الجنوب شعارات منفجرة بوجه التدخل الإيراني في العراق، وهو دلالة على تململ ربما يتسع لصوت أكبر من داخل القاعدة الشعبية التي تعتقد الحكومة، بطابعها الطائفي، أنها مصدر خطر كبير، لما تمثله من عودة بعض الوعي إلى روح المواطنة وحق العراقيين في وحدة مصيرهم ومستقبلهم.

المتظاهرون طالبوا برفع سقف الخدمات ومحاسبة الفاسدين وهم على معرفة أن الطائفية، وما تبعها من محاصصات، كانت سبباً في تمزق العراق واحتلال نصف أرضه في العلن، ونصفه المقابل هم من يتظاهرون ضده، البحث عن الدولة المدنية ونزع العباءة الدينية لأحزاب السلطة بدا جلياً في مطالب المتدافعين السلمية في ساحات التحرير.

ما يدعو إلى الدهشة، التوجه إلى المرجعية الدينية في العراق لإيجاد دولة مدنية، وهي مرجعية رمزها الطائفة، ولا تمثل مجمعاً فقهياً للمذاهب في العراق. الحقيقة أن الناس فقدوا الأمل بدورهم في قلب الطاولة على الحكومة أو البرلمان، وبلغة شاملة على النظام السياسي الذي أفرز كل مصائب العراق وأدى إلى طلاق بائن بينه وبين الشعب، لذلك يتم اللجوء إلى المؤثر، وما حدث فعلاً أن كلمة من على منبر الجمعة تمثل المرجعية الدينية للولاءات السياسية المتحكمة في العراق، وضعت الحكومة تحت استعارة كلمة المرشد في ولاية الفقيه الإيرانية التي تحاول الأحزاب السياسية الدينية الطائفية في العراق التنصل منها، لكنها أدت مفعولها في إعادة الحسابات من المخاوف القادمة.

مفارقات، سلباً وإيجابا، في التظاهرات، مع ذلك، الشعب، والشباب الذي أتمنى أن يحمل مفاهيم المواطنة، يمكن أن يوصل رسالته الجامعة لوحدة العراق والأمل بإمكانية إحداث انقلاب في واقعه المتشظي.

الصدمة حدثت، وبعض الاهتزازات قد تكون غير واضحة المعالم والمصادر والأهداف، وستكشف الأيام أن الخوف يداهم رموز الطائفية من كل الأطراف، وأن مصيرهم على المحك، مثل مصير الشعب ومصير الوطن، وأنهم قبل غيرهم سينالهم الطوفان.

المطلوب، عدم السماح برمي طوق النجاة لهم، والانتباه إلى أننا شعب في مركب تتناهبه الرياح وتنتشر فيه الجرذان والأوغاد.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر